هل تساءلت يومًا عن السفر عبر الزمن؟ هل تفكرت في الفيديوهات الكثيرة الموجودة التي يشتبه أنها لأناس ظهروا في عصور لا ينتمون إليها؟ كمن ظهر بهاتف نقال في الخمسينات وأصحاب السترات الرياضية في صور من عصور لم تعرف حتى تلك الملابس وغيرها من الصور التي تبعث على التفكير. في رأيي المتواضع أعتقد أن فكرة السفر عبر الزمن هي فكرة مقبوله نسبيًا. فمن الممكن جدًا أن يحدث هذا الأمر لك شخصيًا لكنك لا تلقي له بالًا. فعلى سبيل المثال لو هاتفك أحد أصدقائك من دولة في قارة آسيا ستدرك تمامًا أنه يهاتفك من المستقبل وذلك لأن فارق التوقيت يزيد عن ٥ ساعات بين أفريقيا وآسيا. كما أن الأمر يتعدى ذلك لدرجه عاليهة من الغرابة حينما تعلم أنك لو هاتفت أحدهم وأنت بجزيرة ديوميد الكبرى الواقعه في روسيا الاتحادية إلى جزيرة ديوميد الصغرى التابعة للولايات المتحده الأمريكية رغم أن المسافه بينهما لا تتجاوز الأربعة كيلومترات فستكون متحدثًا له من المستقبل بفارق توقيت قد يصل إلى ٢٣ ساعة وذلك بسبب خط التوقيت الدولي الفارق بينهما. لذلك سُميتا بجزيرتي الغد والأمس.

وربما سيحتج البعض منا على أن السفر عبر الزمن لا يصح لأنه حتى لو هاتفت شخصًا ما وبدا أن هناك تفاوتًا في الوقت فهذا لا يعني أنك سافرت عبر الزمن لأن الأشياء لا تحدث له قبلك، ولكن هذه ستكون مغالطة لأن الأشياء تحدث له مسبقًا بالفعل كشروق الشمس وغروبها وبداية ونهاية اليوم وكل ما يترتب على ذلك.

الشيق في الأمر أنه بمجرد محادثتك لشخص ما يقف بجوارك فإنك تسمعه من الماضي وذلك لأن الصوت يحتاج إلى مدة زمنية معينة ليصلك ويتم معالجته, ويسري الأمر على الرؤية أيضًا، فالنجوم التي تظن أنك تنظر إليها في السماء ما هي إلا وميض وضوء ناتج عن انفجار النجوم منذ آلاف أو ملايين السنين، فأنت ترى الماضي بكل تأكيد. كل هذا لأن لتلك الأشياء كتلة معينة مهما تضاءلت وهو ما يسبب وصولها متأخرة.

أما السفر عبر الزمن وطبقًا لقوانين الفيزياء فهو ممكن إذا انعدمت الكتلة وهذا من الصعب جدًا لكن مازالت هناك بعض الإمكانية لتحقيقه. لكن هناك نوع آخر من السفر عبر الزمن يشابه المستحيل رغم بساطة العملية التي يمكن أن يتم من خلالها والذي يتمثل في الفجوة العمرية بين الآباء والأبناء. ذلك النوع من الاختلاف الزمني الذي يضطرنا إلى التغيير ومحاولة التأقلم مهما حاولنا ألا نتأثر. يحسب لفكرة الفجوة العمرية أنها هي رأس الحية في مؤسِسات المشاكل الأسرية اللاحقة، وذلك لأن المساحات الفكرية والثقافية تتباعد بين الآباء والأبناء وهذا ما يسبب التباعد والتنافر من الحوار وخلق مشكلات نتيجة تضارب الآراء في كل مناحي الحياة.

ورغم أن مغريات الحياة وملذاتها تتزايد بلا انقطاع إلا أنك مازلت تقابل شبابًا كل أملهم في الحياة ان يقضوا بعض الوقت مع الأهل أو الوالدين دون صياح أو مشاكل, وهذا ما يعد صعبًا جدًا في الآونة الأخيرة. فحتى رغم الطابع الديني الذي يحيا ويتمتع به البعض والكثير من العادات والتقاليد المتوارثة والتي تتعلق بالعطف والمودة وحُسن الظن ترى فصيلاً من الآباء وكأنهم قد تناسوا أو يحاولون تناسي أنهم كانوا أطفالاً في يوم من الأيام، تنطبق عليهم نفس الظروف من رفض الأوامر وحُب العناد وطلب مسافة شخصية ومحاولة إثبات وجهة النظر وتجارب اكتساب الثقة، فيفعلون مع أبنائهم كل ما كانوا يرفضونه كأطفال ويتصرفون على منهج آبائهم، فينتج الصراع الفكري والاختلاف الثقافي الذي يتزايد باستمرار.

أين تكمن المشكلة؟

وتكمن المشكلة في موضوع التربية لأنها هي الأساس وهي الطريقة الصحية التي تنتج عنها علاقة الآباء السوية بالأبناء في المجمل، ففي ظل هذا التيار الجارف من الانفتاح والتقدم والتطور التكنولوجي تتصارع الرغبات والأفكار وتتزايد فرص التباعد والتحديات اليومية التي يواجهها الشباب في محاولة خلق حوار سَوي يليق بالمستوى الفكري للآباء وكبار السن. وذلك لأن الرُقعة الكبيرة من العائلات العربية وخاصة تلك التي وفرت التعليم لأبنائها تبقى على قدر محدود من المعرفة لأن ما تعلموه هم في سن العشرين كان أبناؤهم قد استوعبوه في سن صغيرة جدًا فلك أن تتأمل طلبات الأطفال اليوم وهم في سن الرابعة، كلٌ يريد هاتفًا لنفسه ليتصفح الإنترنت ويتعلم أكثر, أما اطلاع الآباء في السابق فكان محدودًا على الكتب أو الجرائد أو وسائل الإعلام المنزلية حتى أنهم ربما تعلموا استخدام الهاتف بعد سن الأربعين. فلا يمكن أن ننكر أن الأبناء يعانون من محاولة تفهم وجهات نظر الآباء وملاحظاتهم لكل جملة وكلمة وحلم وفكرة يقدمها الأبناء ليُلقي بمعظمها في حافظة المستقبل لأنها لا تتماشى مع العرف أو السلوك الاجتماعي أو الموروث الثقافي، فيزيد هذا الفعل من القلق لدى الجانبين، ليتردد الأبناء في المبادرة بالحديث مع آبائهم عما يدور بأذهانهم مهما كان بسيطًا، وذلك مخافة أنه لن يزيد الأمر إلا تعقيدًا في رأيهم, فكم من كذبات وخداع وعناد تم بسبب التعنت في محاولة فهم وجهة نظر الأبناء. كما أن الآباء وإن كانوا يحاولون بشتى الطرق أن يجعلوا أبناءهم في المقدمة من كل شيء إلا أنهم أحياناً لا يتفهمونهم بالطريقة المثلى التي تعود بالمنغعة على الأبناء أو لأنهم ما زالوا يديرون الحوار بالصراخ والعناد ومحاولة فرض الرأي وأحيانًا تصل إلى الضرب وهو ما يزيد الفجوة اتساعًا بشكل مباشر.

بعض مظاهر الفجوة الزمنية

  1. التفكك الأسري وما يتبعه من انعدام المشورة أو تبادل الآراء مما يسفر عن الطلاق ويضيع الأبناء في المنتصف فتزداد الفجوة
  2. انعدام الثقة التي تنتج عن تعنت الآراء ومحاولة كل طرف إثبات أنه الأصح فتغيب المساءلة الفكرية وتنعدم المشورة.
  3. تبلد العاطفة بين سكان المنزل الواحد مما يقلل التواصل.
  4. اليأس من التربية ورؤيتها على أنها أحد صور المعاناة والمشقة.
  5. فارق السن الكبير بين الآباء والأبناء مما ينتج عنه تباعد فكري فيقتصر الأمر على احترام الأب لمكانته وليس لرجاحة رأيه وحُسن تدبيره وهذا ما لا يجب أن يكون.
  6. التباعد الفكري بين الآباء والأبناء مما ينتج عنه بعد ثقافي ينفر الطرفين من تبادل الحديث مع بعضهما البعض.
  7. النقد الدائم الذي يتعرض له الأطفال وكثرة الطلبات التي تنفرهم حتى من التقرب من الأبوين لعلمهم أن هناك ما سيطلب منهم فعله، فلا يجب أبدًا أن يقتصر محور التشجيع والمديح على قدر صغير.
  8. غياب القدوة وعدم تطلع الآباء لمشاركة أبنائهم أحلامهم.

لكن من أهم أسباب ظهور هذه الفجوة هو الفارق الزمني الكبير بين الجيلين، فآباء السبعينيات وما يسبقهم لا يرون في التكنولوجيا إلا مضيعة للوقت وخراب ودمار، ولأنهم لم يعاصروا ذلك ولم يعتادوا عليه فهم لا يرون الجزء الكبير المفيد من هذا العلم في كثير من الأحيان. كما أن الزواج المبكر وخاصةً في المجتمعات الريفية أو المجتمعات الفقيرة وهو العادة التي ترعرعت عليها الأجيال السابقة لم يعد حلم أي من الشباب المثقفين في هذا الزمن، فالشاب الآن يحاول أن ينجح عمليًا أولاً ثم يفكر في تكوين أسرة لأنه لو أنجب دون توفير مصدر دخل ونجاح على المستوى الشخصي فلن يصبح إلا كمن يزيد الطين بلة لينجب جيلاً آخر لا يقدر العلم أو يتعرض هو للندم الشديد فيما بعد لأنه لم يفعل ما يحب. أما الزواج المبكر لدى الأهل فهو عادة مقدسة لا يمكن التفريط فيها ولا زالوا لا يرون الطموح بقدر ما يقدرون العادات والتقاليد، الأمر الذي ربما كان مقبولاً في السابق لأن الآباء لم يقضوا نصف أعمارهم في التعليم فتزوجوا مبكرًا وتحملوا المسؤولية صغارًا فتعلموا كيف يواجهون الحياة، أما شباب اليوم الذين تربوا على النت والهواتف والحياة السهله فهم ليسوا أهلاً للثقة في نظر الوالدين ولذلك ينضجون في سن متأخرة عن الآباء.

بعض حلول المشكلة

– التغاضي التام عن العنف بكل أنواعه، الجسدي منه والنفسي داخل المنزل وخارجه.
– توفير البيئة المناسبة للتعليم والتطوير الشخصي والنفسي الذي يساعد في بناء الشخصية.
– تفعيل الدور الأسري المسؤول عن المناقشة والتشاور والإرشاد المجتمعي والديني والثقافي بصورة دورية.
– محاولة الآباء الوصول للأبناء بشتى الطرق واتخاذ المديح سبيلاً للتواصل والتطوير بدلاً من النقد.
– حُسن الاستماع واتباع آداب الحوار من الطرفين واختيار من يدير الحوار في كل مرة بالتتابع لتفعيل دور الثقة المتبادلة.

– على الكبار أن يكونوا هم السبيل في إيصال الأبناء لما يطمحوإن إليه وليس لما يريد الآباء.
– أما الأبناء فيجب عليهم عدم تجنب محادثة الآباء وتكرار محاولات التواصل فلا أحد سيريد لك الخير في الدنيا كلها كما يفعل والداك، لكن ربما تخونهم العبارت والتصرفات أحيانًا بحكم العادة.
– على الطرفين ألا يأخذوا الكلمات على شكلها الظاهري وذلك لاختلاف الأجيال مما نتج عنه تفاوت وتضارب في معاني البعض منهاف، فالاستماع والإنصات وتبادل الآراء هو السبيل لتجنب كل القرارات السلبية.
– مصاحبة الأبناء وقضاء الوقت معهم قدر الإمكان.
– العمل على اختيار زوجة من نفس المستوى الفكري والجيل العمري لأنه لو حدثت فجوة بين الأب والأم فبكل تأكيد ستتفاقم في الأبناء.
-على الطرفين أن يرتحلوا إلى بعضهم البعض ثقافيًا ونفسيًا وفكريًا فلا شيء أجمل من بيت يزينه تبادل النصج والمشورة بحرية، كما أن المنزل الواحد هو أفضل مكان للاستثمار بكل أنواعه.

– دعوا أبناءكم ينفسوا عن غضبهم وتمردهم أمامكم قبل أن يفعلوا ذلك بطرق لا تحمد عقباها.
– لا تربوا أبنائكم على ما رباكم عليه آباؤكم فهم قد خلقوا لزمانٍ غير زمانكم. (وهذه المقولة منسوبة للإمام علي بن أبي وهذا لا صحة له وهي مقولة لسقراط في التذكرة الحمودية).

دُمتم أهلاً لكل جميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد