من الطبيعي أن كل مسلم يعرف مواقيت الصلاة من خلال الظواهر الطبيعية والتي تحدد له التوقيت المناسب للبدء بصلاته، فصلاة الفجر تكون قبل ساعة ونيف من شروق الشمس، وصلاة الظهر تكون عند زوال الظل، والمغرب عند غياب قرص الشمس عن الأفق، أما في تحديد شهر الحج أو الصوم فإنه يُعتمد على رؤية الهلال، وبغض النظر عن الاختلافات الفقهية في هذا الشأن فإن الإجماع حاصل على أن هذه التوقيتات ثابتة والاختلاف في طريقة تحديدها.

التطور وإمكانية توحيد مواقيت العبادات

قد يطرح أحدهم سؤالًا عن إمكانية توحد الأمة الإسلامية في تحديد أول يوم للصيام ليصوم جميع المسلمين فيه، وكذلك توحدهم في مواعيد الصلاة وإمكانية إقامة صلاة جماعة تجمع المسلمين كل في دياره وموطنه، وهنا يجب أن نعرف أنه لا توجد إمكانية لتحقيق هذا الأمر لعدة أسباب منها:

1. لكل مدينة أفقها الخاص بها، فالظواهر الطبيعية لكل مدينة يختلف توقيتها عن المدينة التي قبلها أو بعدها، فمثلًا لو فرضنا أن زوال الشمس في لندن يكون عند الساعة 12 ظهرًا، فإن في نفس هذا الوقت تكون في بغداد الساعة 3 مساءً، وبذلك فإن المسلمين في بغداد قد صلوا الظهر قبل ثلاث ساعات من موعدها في لندن وهذا يعني أن توحيد الصلاة عالميًا غير ممكن.

2. لما كان لكل مدينة أفقها الخاص بها وتضاريسها التي تجعلها مرة ذات أراض مرتفعة وجبلية ومرة تجعلها في أراضٍ منخفضة وسهلية، وهذا سيؤثر في إمكانية رؤية الهلال إذا ما عرفنا أن الهلال لا يولد في نفس الزاوية والمكان، بل يتغير مع الوقت، فأحيانًا تكون ولادته ممكنة الرؤية في مناطق معينة أما في مناطق أخرى يستحيل رؤيته فيها، هذا بالإضافة إلى أن الهلال يولد في وقت قصير ولا يبقى في الأفق أكثر من بضع دقائق، وهذا يعني أن الرؤية متفاوتة أيضًا من بلد لآخر.

الاختلافات في طرائق تحديد المواقيت

لا بد وأن تكون هنالك اختلافات في فهم الدليل في تحديد مواقيت العبادات بين المسلمين، وهذا الاختلاف ناتج عن تنوع مصادر الأدلة واختلافها ايضًا، فهناك أدلة واضحة المعنى ولا تحتاج للرجوع إلى دلائل وشروحات أخرى، وهناك أدلة تحتاج إلى تفسير سواءً بالاعتماد على السنة النبوية أو بالاعتماد على آراء العلماء أو بالاعتماد على معاجم اللغة العربية، وهذا الاختلاف بحد ذاته هو اختلاف مشروع حيث لا يمكن لأحد أن يجبر الآخرين على ترك أدلتهم واتباع أدلة أخرى دون حصول الاقتناع بها، أو دون إثبات بطلان تلك الأدلة.

يختلف المسلمون في تحديد موعد صلاة المغرب بسبب الفهم للدليل واختلافه، فالدليل ثابت وهو قوله تعالى (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) حيث يتفق الجميع على أن المراد من الليل هو أوله والمحدد بغروب الشمس، ولكن أين وقع الاختلاف؟

الاختلاف كان في فهم حرف الجر (إلى) الوارد في الآية الكريمة، والاختلاف في فهم دخول الغاية في المغيّا أم عدم دخوله فيها، وهذا فيه اختلاف نحوي بالإضافة إلى الاختلاف النقلي للسيرة النبوية الشريفة، فطائفة من المسلمين ترى أن الغاية وهي الصيام لا تدخل في المغيّا وهو الليل، وهذا يعني أن الصيام ينتهي بانتهاء النهار وذلك بسقوط قرص الشمس عن الأفق، أما الطائفة الثانية فترى أن الغاية تدخل في المغيّا، أي أن الصيام لا يتم بانتهاء النهار وإنما بالدخول إلى الليل، وهذا يوجد فرقًا بمقدار 12 دقيقة تقريبًا بين نزول قرص الشمس عن الأفق وبين غيابها نهائيًا وتحقق حصول الليل، ويرى البعض أن الاحتياط في تأخير الإفطار إلى ما بعد زوال الحمرة المشرقية وتحقق دخول الليل هو أمر عقلائي ولا ضرر فيه ما دامت الأدلة لم تثبت جزمًا بصحة أحدها على الآخر، وهو على سبيل الاحتياط.

وبغض النظر عن الاختلافات في الأدلة، فإن جميع المسلمين عليهم التقيد بالتوقيتات العبادية والتي فرضها الله عليهم، وقد أعطى الله للناس عقلًا يتدبرون فيه الأدلة ويتخيرون ما يروه مقنعًا لهم، وألا يصيروا الاختلاف في الرأي إلى تعصب وألا يجعلوه بابًا للانتقاص من الآخرين وبث الفرقة والعداوة بين المسلمين، فالواقع يقول إن كل طائفة لها دليلها وبذلك لا يمكن أن يجتمع المسلمون جميعًا على رأي واحد، وهذا الاختلاف لا ينحصر فقط في المسائل العبادية والمعاملات وإنما حتى في أصول العقيدة، فالمسلمون يجتمعون على أن الله واحد لا شريك له، إلا أنهم يختلفون في صفاته فهناك من يجسمه وهناك من يرفض تجسيمه، ولا بد من قبول الآخرين إن كانوا يقدمون أدلتهم بشفافية ووضوح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد