أمر أسبوعيا علي العديد من النصوص الأدبية التي تتحدث عن الهزيمة، عن الثورة الضائعة والملحمة التى انهارت، عن النهايات الحزينة والنهايات التي كان من المفترض أن تكون.

أتورط أنا أيضا في كتابة مثل هذه النصوص، مر عامان ربما ثلاثة منذ انتشار تلك النصوص، حتى بدت كأنها بسطورها الكئيبة هى المآل النهائى لثورتنا، لكن رغم تورطي فى كتابة هذه النصوص، وتقديرى لها كنصوص أدبية رائعة أتسائل كثيرا: هل حقا هذه هى النهاية؟ وهل نحن فعلا انهزمنا، وحان وقت بناء سرديات الهزيمة والكتابة الحزينة عن الملاحم المنهارة؟

أنحن فعلا بذلنا كل ما فى وسعنا؛ لكي نكسر الحلقة الزمنية العالق بها ذلك البلد البائس وفشلنا، أم أننا بعد أول موجة شرسة مضادة لحلمنا قررنا أن نكتفي من الثورة بنصوص أدبية عظيمة تثير رعشة في نفوس القارئين، استبدلنا بالمعركة التي كان من المفترض أن نخوضها نوستالجيا تخدر الأرواح، أدمنا كتابة الروايات والحديث عن البلد التى لن تتغير والحلقة التى لا فكاك منها؟ أحيانا يهيأ لي أننا أدمنا الحلقة واكتفينا بالبكائيات بدلا من أن نحاول جديا إيجاد طريق للهروب من تلك الحلقة.

تثير تلك الفكرة فزعي، وأتذكر جيل السبعينات وانكساراته، الجيل الذى رددت مررا أننا نختلف عنه، لكن كلما قفزت تلك الأفكار فى ذهني أشعر أننى كنت مخطئا، وتبهت ادعاءاتى، أخاف أن ينتهى الحال بثورتنا كروايات يقرأها شاب بعد ثلاثين عاما من الآن مثلما أقرأ أنا حاليا روايات رضوي عاشور وبهاء طاهر

لا أعرف بالتأكيد حقيقة الذى نمر به حاليا، كففت أيضا منذ زمن عن الكتابة عن العنقاء التي تنبعث من الرماد وأصبحت أكتب عن تغريدات البجع الأخيرة؛ فكل أمل واه لا يصلح إلا أن يكون لحنا جميلا حزينا نودع به ثورتنا، مثلما تفعل البجعة في تغريدتها الأخيرة، وأعلم  أن الأوضاع بشعة، فالرصاص بكل مكان يقتنص الأرواح، والأحلام تطايرت والقبور تعج بالرفاق والأصدقاء، لكنني أعرف أن الهزيمة لم تصبح نهائية بعد، وأن البكائيات لا تصنع نصرا، لهذا ما زالت أملك من اليقين ما يجعلني أستمع لكلمات عراف يتحدث عن النصر القابع بين سطور مانفيستو الهزيمة وأرددها في كل مكان.

قد يبدو الحديث عن الأمل والنصر القابع وسط الهزيمة نوعا من الوقاحة الآن، أو في أفضل الأحوال حديثا رومانسيا لمراهق، لم يعش في مصر الخمس سنوات الفائتة، لكن في النهاية هذا الحديث أقرب لمنطق الثورات ـ لو أن لها منطق ـ فكالعادة تبدو الأمور في غاية السوء: لا أفق هناك ثم يحدث انفجار.

لا يمكن الجزم أن هناك انفجار قادم، لكن بالتأكيد العالم القديم انهار، والمشاكل الأزلية التى كانت الثورة تتجلى لها، لم تتغير، بل ازدادت، لهذا هناك شيء ما فى الطريق، ربما القادم أصعب، لكن من ركام العوالم المنهارة تنشأ العوالم الجديدة، والبكائيات لا تساهم فى صنع عوالم جديدة، والثورة في النهاية ليست نصا أدبيا جميلا، ولكنها قوى متصارعة، ومجتمعات تموج بالتناقضات، ودماء تسيل؛ من أجل تشكيل مجتمع جديد، بعد أن فشلت الصيغ القديمة فى حل تلك التناقضات.

قد تكون الموجة الحالية أعلى من قدرتنا بالفعل، فهى شتت صفوفنا وخلفت وراءها آلاف القتلى والمصابين وآلاف المهاجرين، لم يعد هناك صف متماسك، لم يعد هناك صف من الأساس يجمعنا، إلا في المعتقل أو على أبواب المطار، لكن دوما يمكننا البدء من جديد إن نحن أردنا هذا، وأظن أننا قادرون على هذا؛ فالجملة التى انتشرت فى أعقاب الثورة: “احنا الجيل اللي بيفضل يعيد في ماريو لحد ما يقفلها”، حقيقية لحد كبير، شخصيا أعلم أنني لا زالت أملك من الحماقة ما سيجعلني ألتحق بصفوف الانتفاضة القادمة، وأنني ربما سأفعل مثل هؤلاء الذين تركوا بلادهم الجديدة المتقدمة والتحقوا بركاب ثورة يناير، وأعرف أن الحمقى كثيرون، هي حماقة ممدوحة علي أية حال.

هذا المقال ليس مخدرا زائفا، أو دعوة؛ لكي نتمسك بالأوهام، لكنه مجرد خواطر ومخاوف من كوننا أدمنا الهزيمة، وانشغلنا بالبحث عن أفضل الطرق للكتابة عنها وعن الملاحم العظيمة التى انهارت، بدلا من محاولة تجميع صفوفنا مرة أخرى؛ استعدادا لجولات أخرى، لنتوقف قليلا عن البكاء، فهذا سيأتي وقته لاحقا في حالة تأكد الهزيمة النهائية، ولنفكر الآن قليلا في  كل ما حدث، فربما ما حدث رغم قسوته كان مفيدا لنا؛ لنتعرف علي المجتمع المصري الحقيقي وتوازنات القوى فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد