في عالمنا العربي، يحاول الآباء والأمهات غالبًا أن يدفعوا بأبنائهم نحو الاختصاصات العلمية كالطب والصيدلية والهندسة والعلوم؛ لأنها في الغالب واضحة النتيجة مضمونة المستقبل، فالطبيب والصيدلاني والمهندس يعرف تمامًا ما الدور الوظيفي الذي سيقوم به بعد التخرج، وما يمكن أن يقوم به من أنشطةٍ اجتماعيةٍ (إن قام بشيءٍ من ذلك) هو من نافلة الفعل التي لا تعدُّ عند الكثيرين من الواجبات، لكن تكمن المشكلة عند الكثيرين في تخصصات العلوم الإنسانية كالقانون والأدب والفلسفة والتربية والتاريخ، فهي بالنسبة لهم لا تهيئ المتخصص في أحد هذه المجالات لأكثر من وظيفة التعليم، وفي أحسن الأحوال سيتم تعيينه مدرِّسًا للمرحلة الثانوية، ولن يتحقق له ذلك قبل عناءٍ طويلٍ من الانتظار، ثم الخضوع لمسابقات التوظيف مع قلَّتها في ظل ما تشهده أغلب البلاد العربية من كثافةٍ في عدد الخريجين، وقلةٍ في الفرص، مما يشكل صدمةً عند كثير من الشباب بعد التخرج والاصطدام بالواقع، ثم يجد نفسه مضطرًّا لأي عملٍ بغضِّ النظر عن شهادته وتخصصه العلمي، وفي الآتي عشر نصائح جمعتها خلال مسيرتي المهنية ستحتاج إليها إذا كنت طالبًا جامعيًّا أو حديث عهد بالتخرُّج.

1- فرِّق بين التعليم والتدريب:

فالشهادة الجامعية ليست كل شيء، وحصولك عليها هو معيار للجانب العلمي، لكنه لا يعني شيئًا في الجانب المهاري، ولذلك فأنت بحاجةٍ إلى التدريب لبناء خبرتك في طرائق التعليم وبرامج الكمبيوتر واللغة، وغيرها من المهارات التي ستحتاج إليها أثناء عملك، وهذا لا يتأتى لك إلا من خلال التدريب.

2-ابدأ ببناء خبرتك العملية:

عندما تكون خريجًا جديدًا فأنت كمن أتقن السباحة نظريًّا لكنه لم يجرب ذلك بشكل عملي، وبالتالي فأنت بحاجةٍ إلى أن تبدأ ببناء الخبرة ولو اضطرك الأمر أن تعمل مع بعض الجهات الخاصة براتب قليل أو حتى بشكل مجاني، فتراكم الخبرة هو الذي سيؤهلك لفرصة أكبر.

3-تطوَّع:

إذا كنت لم تحصل على فرصتك التي ترغب بها فيمكنك أن تتطوع مع بعض المؤسسات الاجتماعية والإنسانية أو المؤسسات التعليمية الخاصة في سبيل زيادة خبرتك وإغناء سيرتك الذاتية، فعندما تتطوع فأنت تتدرب عمليًّا وبشكل مجاني، كما أنك تزيد من تواصلك وتغني سيرتك، وبالتالي فأنت تزيد من فرص حصولك على ما تريد.

4- قدِّم نفسك باحتراف:

عندما تتقدم لوظيفةٍ فأنت بحاجة لأمرين مهمين:

الأول: هو كتابة السيرة الذاتية بطريقة ملفتة، بحيث تكون منسقَّةً من حيث الشكل، وغنيةً من حيث المضمون.

والثاني: أن تكون مستعدًّا للمقابلة الشخصية مدركًا عن ماذا ستسأل، عارفًا كيف تتكلم، وبماذا تتكلم، وكيف تقدم نفسك، وكلُّ ما يتعلق بذلك ستجده متوفرًا على شبكة الإنترنت ضمن المواقع المتخصصة في هذا المجال.

5- عدِّد مهاراتك:

يخطئ الكثير من الخريجين الجدد عندما يظنون أن العلوم الإنسانية لا ترشح صاحبها لأكثر من أن يكون معلمًا للأطفال، وفي أحسن الأحوال مدرسًا للمرحلة الإعدادية والثانوية، والحقيقة أن مجالات العمل المرتبطة بالعلوم الإنسانية كثيرة جدًّا، فالإعلام وكل ما يتعلق به من إعداد وتقديم البرامج، وكتابة المحتوى، والتدقيق اللغوي، والتعليق الصوتي، والأعمال الإدارية، والتعليم وتعليم العربية للناطقين بغيرها، والعمل ضمن مؤسسات الأعمال الإنسانية، وإعداد الحقائب التدريبية والتدريب، كلها مجالات ترتبط بالعلوم الإنسانية، وما عليك سوى أن تكتشف اهتماماتك وتطورها، لتتحول إلى مهارةٍ تساعدك للعمل في أحد هذه المجالات.

6- وسِّع دائرة اهتماماتك:

يخطئ الكثير من الخريجين الجدد عندما يقصرون بحثهم عن العمل في المجالات التي تحتاج إلى شهادة علمية في نفس التخصص، فأن تكون جامعيًّا ليس بالضرورة أن تعمل في مجال تخصصك، وإنما يمكنك أن تستفيد مما درسته في تكوين شخصيتك وتقديم نفسك وتواصلك، وأن تنظر في الوقت نفسه إلى مجالات أخرى من العمل كالتجارة الحرة، أو الشركات التجارية والعقارية، والسياحية، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «عليكم بالتجارة فإن الله يرزق الناس بعضهم من بعض»، كما يمكنك عندما تمتلك الخبرة أن تكون شريكًا في مشروع بحيث تقدم الخبرة والإدارة بينما يقدم غيرك المال، وسوف تجد على شبكة الانترنت مئات المشروعات الحرة الناجحة لشباب اعتمدوا على المهارة والخبرة، وليس على التخصص العلمي.

7- تواصل وشارك:

يعتقد كثير من الخريجين الجدد أن حصولهم على وظيفة أمرٌ مرتبط بالواسطة والمعرفة الشخصية للقائمين على العمل؛ مما يشكل عائقًا لهم عن التواصل مع الجهات والمؤسسات بشكل عام، ومع أن هذا واقع ينطبق على بعض المؤسسات، فإن بعضها الآخر يبحث بشكل جادٍّ عن أصحاب الخبرة وأولئك الذين يتمتعون بالطموح والإبداع.

لذلك لا تضع لنفسك حواجز وهمية، وبادر بالتواصل مع أكبر عدد من المؤسسات، وقم بزيارتها واعرض ما لديك، ولا تتأخر عن المشاركة في جميع الأنشطة والفعاليات التي يتاح لك المشاركة فيها، فهناك سوف تتعلم دائمًا شيئًا جديدًا، وسوف توسع دائرة معارفك واتصالك.

8- لا تتوقف عن التعلم:

يكتفي كثيرٌ من الدارسين في مجال العلوم الإنسانية بدرجة البكالوريوس، ثم يغرقون في العمل ويقضون عشرات السنوات في وظيفة التعليم أو غيرها مما يتاح لهم من الوظائف، إلى أن يصل إلى التقاعد.

يمكنك دائمًا أن تفكر بتحسين مستواك العلمي والمعرفي والمهني، ولذلك لا تتوقف عن التعلم، وابحث عن فرصتك في التعليم العالي؛ فحصولك على الشهادات العليا يُعد أبوابًا جديدة تفتحها أمام مستقبل أكبر.

9- تعلَّم مهنة:

دأب كثيرٌ من العلماء السابقين على تعلُّم مهنةٍ من المهن التي تحقق لهم الكسب، ولذلك نجد كثيرًا من العلماء قد نسب إلى مهنته كالحداد والنجار والحذَّاء والصبَّاغ، وقد أُلِّفت بعض الكتب في جمع سير الفقهاء الذين اعتمدوا في معيشتهم وكسبهم على مهنةٍ معينةٍ، ولم يحصلوا على وظيفةٍ بناء على تأهيلهم العلمي.

إذا كنت طالبًا في المرحلة الجامعية فيمكنك أن تستفيد من العطل الصيفية في تعلُّم مهنةٍ من المهن، وهي كثيرة ومتنوعة، والناس يقولون اليوم المهنة لا تغني ولكنها تستر، فعندما تمتلك مهنةً فأنت تمتلك سلاحًا قد تحتاج إليه ذات يوم وأنت تخوض غمار هذه الحياة، وقد جاء في الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الله يحب المؤمن المحترف» رواه الطبراني.

10- ثق بالله وتوكَّل عليه:

ندرك جميعًا أن الله، عز وجل، قد كتب الآجال، ولذلك لا نشغل بالنا بانتهاء الأجل، وقليلًا ما يفكر أحدنا بالموت، موقنين أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، والحقيقة أن الله، عز وجل، قد كتب الأرزاق كما كتب الآجال ولا يتطلب الأمر منا سوى بذل السبب كما جاء في الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». رواه مسلم.

فكن على ثقة ويقين أن الله سبحانه وتعالى سوف يفتح لك أبواب الخير فلا تجزع واجتهد بالدعاء كما تجتهد في أخذ الأسباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد