الوضع الجزائري بسيط، تلخصه الرواية الشهيرة “وقائع موت معلن”!

نعم، ففي الرئاسة رئيس لا يستطيع أن يمارس الحياة العامة بشكل طبيعي، وفي المعارضة بقايا جهاز أمني يرفض أن يمارس الموت بشكل طبيعي، وبينهما معركة محتدمة حول الرئيس المقبل.

رغم كَمِّ البهرجة الحكومية الظاهرة فالجميع يعرف أن مرحلة بوتفليقة قد انتهت، والنزاع حاليا حول الخلافة لا غير، من جهة يريد الجيش مرشحا يضمن مصالحه، ومن جهة ثانية يريد المعسكر البوتفليقي، وبقايا المعسكر الأمني، مرشحا يضمن استمرار حكمهم.
وإذا كان مرشح الجيش مختلَفاً بشأنه؛ بحكم أن الجيش لم يقرّر بعد، فقد لا يكون صعبا الوصول إلى مرشح معسكر بوتفليقة إذا نجحنا في تحديد العوامل الحاكمة لاختياره.

تلك العوامل لا تزيد عن ثلاث، استمرار المصالح القائمة، استمرار التحالفات الخارجية القائمة مع فرنسا حصريا، وثالثا القدرة على الحكم.
وفق هذا التحليل، يصبح خيار ترشيح رجل من الحياة السياسية ومن حلفاء الرئيس السياسيّين مستحيلا، فقد تم تدمير الطبقة السياسية تماما من جهة المعارضة، أما من جهة الموالاة التي يمثلها الحزب الحاكم أي جبهة التحرير والحزب المؤيد أي التجمع الوطني الديمقراطي، فالوضع فيها صعب أيضا، جبهة التحرير بأمينها العام لا توافق الرئيس في كل ما يذهب إليه، وإن تظاهرت بالعكس، والتجمع الوطني الديمقراطي يقوده رجل بلا مواقف ثابتة ما يجعله غير مناسب ليثق فيه نظام حكم قائم أساسا على الثقة والقرابة والعلاقات المناطقية المصلحية.

ماذا بقي بعد تدمير الساحة السياسية، يبقى للرئيس أن يختار رجلا من رجالات العسكر أو من رجالات الأمن أو التكنوقراط، وبالنظر لكون العسكر معارضين له حاليا، فليس أمامه إلا رجالات الأمن والتكنوقراط.

بالنسبة للأخيرين فإن رجلهم سابقا عبد المالك سلال قد أحرَق ورقته بأدائه الإشكالي على رأس الحكومة، ويبقى رجال الأمن الذين تمثلهم مؤسستان، إما إدارة الأمن الجديدة المسماة اختصارا بــ  DSS أو إدارة الشرطة العمومية بقيادة الجنرال عبد الغني الهامل.
إشكالية إدارة الأمن الجديدة أن رئيسها لا يصلح للقيادة من جهة المآخذ الموجودة عليه منذ عهد العشرية السوداء، إضافة لسنه المتقدم وصحته العليلة، ويبقى أمامنا إدارة الأمن الشُرَطِي بقيادة الجنرال الهامل والذي يبدو رجلا متوفرا على كل الشروط، قريب من الرئيس، ابن منطقته، ذو خبرة في الإدارة العسكرية والأمنية ورجل ثقة.

ربما ساور كثيرين هذا الاعتقاد قبل فترة، بل بدا أن الرئاسة فكّرت فيه فعليا، فكانت احتجاجات أعوان الأمن العمومي وتظاهرهم أمام القصر الرئاسي ضد مسئولهم الأول بمثابة وسيلة مثالية لإخبار الرئاسة أن كثيرين في إدارة الاستعلامات العسكرية سابقا يرفضونه، فكان القرار بالتريث قليلا.

والآن بعد إزاحة جنرالات الاستعلامات فإن الوقت قد أضحى مناسبا لطبخ المرشح الرئاسي المقبل، بل إن روائح الاستعجال قد تبدو أكثر عبقا الآن، فتعامل الأمن المفرط العنف مع المناصرين الرياضيين والتشديد على المعارضين والتعامل القاسي مع رجل شعبوي، مثل: علي بلحاج قد يمكن قراءتها كلها في سياقة تهيئة الأرضية، وإسكات المشاغبين، وتخويف المعارضين قبل اللحظة الحاسمة لظهور الرئيس المنتظر!

مشكلة هذا السيناريو الرئاسي أنه قد حسب حساب الجميع إلا نقطة واحدة، أي الشعب!
قد تُسكت السياسيين وتُخيف العسكريين، ولكن مالذي تفعله بشعب هو في الأصل طويل اللسان. لم يدع الراكب ولا الحصان ولا أتقن الصمت ولا ألف الامتهان. شعب تم إدخاله في عشرية فظيعة؛ لترويعه واستئصال جينات الحرية في داخله، لكنه لم يخنع وظل موجودا، وحين أتيح له أن يزيح السلطة في عصر الثورات العربية فضّل أن يفوّت الفرصة ويذهب لتغيير هادئ دستوري تفاديا لأي سيناريو سيئ قد تدخله البلاد.

لكن هذا الشعب الآن في مواجهة أزمة اقتصادية وقبضة أمنية مشدّدة، ودستور مخيّب لآمال كثيرة على صعيد فصل السلطات وتكريس الديمقراطية.

الواقع أن الأمر خطير للغاية، وفكرة أن الأمن قد يضبط الأوضاع بشكل أبدي خاطئة وخطيرة أيضا؛ لأنها قد تغري قائدا أمنيا بالفعل السيئ، لكنها لن تحبس شعبا عن فعل الحرية، ولا جائعا عن فعل الصراخ، ولا معارضا عن قول: “لا”!

وعليه يمكننا التوجه إلى فخامة الرئيس المقبل بمجموعة من نصائح تتلخص في أن التنفيس عن الناس، وإشاعة الحريات وضمان العدالة الاجتماعية والنزاهة المالية للمسئولين قد تكون أفضل دعاية له، وأن منطق العصا لن يفيد، لأن شباب فريق “مولودية الجزائر” الذي حاصروا الشرطة في منطقة “بولوغين” وجعلوها في وضع الدفاع، بعد أن استأسدت عليهم سابقا. هؤلاء طليعة جيل تربى في الملاعب على الكفر بالسلطة، وتعلم في الشوارع النزال مع ممثليها، وأيقن بعد جولات كثيرة أنه قادر على تحطيم طوق الأمن الرسمي متى شاء.

إن هؤلاء أخطر كثيرا على الحكم من سياسة يجري إفسادها. وحينما يتم إفساد السياسة وقتل القنوات العلنية العقلانية للمعارضة فإن السلطة ستجد نفسها في الشارع أمام شبان الشوارع.. هؤلاء الذين أذلوا فرنسا سابقا لن يعجزوا عن إطاحة نظام نخره الفساد وإن امتلك أعتى آلة أمنية، ولنا في جهاز “السافاك” الإيراني عبرة!

فخامة الرئيس الهامل: قليل من الحرية لن يضر وبعض من الحكمة لن يؤذي، وفي النهاية فتلك سبيلك العقلانية للرئاسة، فآلة التزوير لن تكفي هذه المرة والجيش لم يعد على قلب الرئاسة. واستكثار الأعداء ليس من صفات الرجل الطموح لدور سياسي قيادي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجزائر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد