والآن يا ولدي، لقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا فأدركت بعد طول العناء، وشدة الطريق أن أبين لك ما استغرق مني وقتًا طويلًا لتعلمه، مع أني اكره النصائح وأعتبر نفسي تلميذًا ما زال يتعلم من هذه الدنيا الفانية أسرارًا دفينة وموعظة أليمة.

يا ولدي، لقد اكتشفت أن كثيرًا من حكم أساتذتنا رحمهم الله لم تك في محك الواقع إلا مثاليات عفى عليها الدهر رغم أنهم طالما شغلوا أفكارنا بها دون أن يثبت الزمن لنا صحتها بعد ذلك، ومع أنهم أيضًا كانوا يؤكدون على أننا سوف نكبر ونعرف مقدارها، وها نحن كبرنا فمات الذين علمونا ولم تثبت كلماتهم أمام ما رايناه في مستقبل أيامنا.

لقد علمونا أن الموهبة والكفاءة والتمكن من الكتابة هي أدوات الصحفي أو الكاتب الناجح وأن النص أو المقال الذي نكتبه سيظهر نفسه بهذه الأدوات ويلفت الأنظار، لكنني الآن أضحك وأنا أرى أن ذلك لم يكن سوى وهم فارغ، فقد رأينا أناسًا لم يتعلموا شيئًا وربما كانوا نصف أميين لكنهم بقدرة قادر صاروا ذوي مناصب عليا في المؤسسات وفي إدارات التحرير العراقية ولم تثبت لهم كفاءة في شيء.

ربما يا ولدي إن لعالم الصحافة طرقًا أخرى ليس لها علاقة بالمهنية أو الكفاءة أو الموهبة أو بكل ما سمعناه من مثل، بل ربما بأشياء أخرى طبعت واقع الصحافة في العراق مثل النفاق والمحسوبية والقربى والمصالح والعلاقات لذا أقول لك خذ مني هذه الأسرار واحفظها عن ظهر قلب فربما ستفيدك في مستقبل أيامك مع أني لست متأكدًا كما كان أساتذتي يفعلون.

النصيحة الأولى: لا تدخل في تنافس في العمل الصحفي مع امرأة جميلة ولعوب لأنها تملك مواهب لا يراها سوى المسؤولين، فحتى لو كانت أمية وكنت محـمد حسنين هيكل أو أنيس منصور فإنك خاسر لا محالة.

النصيحة الثانية: الصحافة يا ولدي هي أن تربط الحمار في المكان الذي يريده منك صاحب العمل فالغ رأيك ولا تجتهد وإلا سيضيع عملك.

النصيحة الثالثة: في الصحافة ليس هناك حق أو باطل أو صدق أو كذب هذه المفاهيم نسبية، تغير طبقًا لسياسة المكان الذي تعمل فيه، فيما يبدو لديك حقًا هنا ربما يكون باطلا هناك وما يبدو صدقًا في هذه المؤسسة يكون كذبًا في أخرى والويل لك إن كنت ذا مبدأ فسوف تخسر الجميع.

النصيحة الرابعة: بعض الصحفيين ياولدي مثل كلاب صاحب المزرعة فهم متخصصون بالنباح على أي مكان أو اتجاه يشير إليه سيدهم، فإياك والدخول بينهم فإنك إن لم تتنجس من الاحتكاك بهم فسوف يضرك عواؤهم أو يصيبك داؤهم أو يعضك أحدهم.

النصيحة الخامسة: أسرار المناصب ومقدار الرواتب لا يحددها مقدار الكفاءة بالعمل، تلك كذبة كبرى بل يحددها مقدار التزلف والنفاق والمحسوبية ومقدار القرب والبعد عن رب العمل وزبانيته.

النصيحة السادسة: لا تكتب ياولدي في الثقافة فإن الكتابة فيها خسارة، والجهد فيها مضاع، والمكافأة فيها مزرية، والمطالبة بها استجداء، والنقاش حولها هباء. إن أسوأ شيء يا بني في صحافتنا، صفحاتها الثقافية، فالبعض يقوم بتسليمها لمن لا دخل لهم بها وأغلب مواضيعها سرقة من الإنترنت ولذا لا ترى من يهتم أو يقرأ أي صفحة ثقافية وإنما وجودها في الصحف زينة وذر للرماد في العيون.

النصيحة السابعة: لا تقل كل ما تعلم فأحيانًا يكون الوعي وبالًا على صاحبه، بل قل ما تريده المؤسسة التي تعمل بها ولا تفكر بأن لك مبدأ يمكن أن تدافع عنه فهذي القناعات اتركها لنفسك، فالضرر كل الضرر من قول أنت مقتنع به والمنطق مقتنع به لكنه لا يعجب أصحاب الرأي في مكان عملك، هكذا تصنع للمنافقين والمتزلفين فرصة ذهبية أن يتسلقوا على حسابك فيربحون وتقول ما أنت مقتنع به فتخسر.

لا أريد أن أحبطك أو أن أقول إن هذا كل ما سيمر بك وأنت في الطريق فربما سترى فيما يستجد مما لم يخطر على بالي أو لم أتعلمه بعد، أو ربما يحالفك الحظ فتكون أنت صاحب القرار.

إن أكبر دليل على مصداقية صحافتنا الحالية أن كثيرًا من الناس ما زالوا يعتبرون الكذب (كلام جرايد) فانظر، رعاك الله، إلى أي انحطاط وصلت به مصداقية صحافة كهذه، فهي لا تبني مواطنًا بل منافقًا، ولا تجمع الناس بل تفرقهم، ولا تزيد من وعي المجتمع بل تزيد من جهالته وعجزه خموله وقانا الله وإياكم شر الخمول وشر أصحابه أو كما قال الشاعر:

وشرّ العالمين ذوو خُمول … إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديمٍ … أقام لنفسه حسبًا جديدا

إذا ما الجهل خيّم في بلاد … رأيت أسودها مُسِخَت قرودا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد