يحكى أن مجموعة من الإخوة بنوا بيتًا عظيمًا يضم بين جنباته بئر ماء عذب وعددًا كبيرًا من الحجرات الواسعة، بكل منها مزايا مختلفة عن الأخرى، وتعاون الإخوة فيما بينهم حتى أصبح ذلك البيت بمثابة حصن قوي مليء بالخيرات من كافة الأنواع، فأضحى منارة وملجأ لأهل الشارع أجمعين، يلجأ إليه الضعيف حتى يقوى والفقير حتى يغنى والمريض حتى يشفى، ولكن هذا الوضع لم يلق قبولا لدى مجموعة من البلاطجة الذي يقطنون في ذلك البيت المتهالك سيء السمعة آخر الشارع، فقرروا أن ينقضوا على الإخوة أصحاب المنزل الأول ويطردوهم منه وينهبوا خيراته، وعبر سنوات طويلة حاول البلاطجة طرد الإخوة ولكنهم فشلوا فشلًا ذريعًا وبدأت سطوتهم تتضاءل أمام نفوذ الإخوة وشرهم يضعف في مقابل خير الإخوة وبدا أن نهاية البلاطجة أصبحت قاب قوسين أو أدنى، وحينئذ قرر البلاطجة اللجوء إلى حل أخير لتدارك الأمر، فبدؤوا بالوقعية بين الإخوة ونشر الأكاذيب والضغائن بينهم ومع الوقت تفرقت قلوب الإخوة وانهار تحالفهم، فاستغل البلاطجة تلك الفرصة وانقضوا على ذلك البيت العامر واحتلوه ونهبوا خيراته وتمتعوا ببئره العذب الماء، ولكن المشكلة أنه إن عاجلا أو آجلا سيتيقظ الإخوة من تلك الغفوة ويتحدوا من جديد ويطردوا ذلك الغاصب، فما الحل؟

بعد مشاروات مكثفة، قرر البلاطجة أن يتركوا منزل الإخوة على أن يضمنوا عدم اتحادهم من جديد، بل يضمنوا تبعية كبرائهم إلى البلاطجة، فقسموا البيت على الإخوة بدهاء وخبث، فلهذا حجرة وجزء صغير من حجرة آخر، ولذلك ردهة تطل على حجرة أخ رابع وهكذا، ثم أزجوا نار الفرقة والخلاف بين الإخوة، ووسوسوا لهذا الأخ بأن أخيه يغتصب حقه في تلك الحجرة ولآخر بأن إخوته يحاولون الاعتداء على حدود حجرته، ومع الوقت تناسى الإخوة وحدتهم وغضوا الطرف عن بئر الماء العذب الذي حول البلاطجة روافده ليصب في منزلهم وعن أموالهم التي تسلب منهم باستمرار بمنتهى المهانة، وأصبح شغلهم الشاغل التنازع على ملكية سنتميرات بين تلك الحجرات، ونتيجة ذلك الوضع المأسوي أصاب أغلب الإخوة إحباط شديد وهزيمة نفسية، ثم تعلقت آمالهم بأخويهم الكبيرين عسى أن ينجحوا في لم الشمل من جديد والتصدي لأولئك البلاطجة، ولكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، ففجأة ظهر خلاف بين أكبر أخوين حول سنتميترات قليلة بين حجرتيهما الواسعتين، العجيب أن الأخوين كليهما لا يستفيد من حوالي 95% من مساحة حجرته، كل منهم يحيا في جزء صغير للغاية من حجرته، وبالتالي فتلك السنتميترات القليلة لا تمثل شيئًا لكليهما، إلا أن بعض البلاطجة وأذنابهم نجحوا في الإيقاع بين الأخوين وأصبح تنازل أحد الأخوين عن تلك السنتميترات للأخ الآخر بمثابة خيانة وعمالة وإهدار للكرامة الوطنية، ونسي الأخوان أن كرامتهما قد دنست عندما سلموا أعناقهم للبلاطجة وأن سيادتهم قد اغتصبت عندما تنازلوا عن بئر الماء العذب بأبخس الأثمان، ونسوا أيضًا أن باقي إخوتهم يعولون كثيرًا عليهما، فهل يستفيق الأخوان أم تستمر الغيبوبة؟

تيران وصنافير، تلك القضية التي شغلت وما زالت تشغل الرأي العام المصري، وأصبحت محط مزايدات بين المصريين بعضهم وبعض وبين المصريين وأشقائهم السعوديين، ساهم النظام المصري في تلك الأزمة عبر إخراج مشهد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بمنتهى العشوائية والسذاجة المفرطة فأعطى لكل منتقديه – وهم كثر – فرصة سانحة لاتهامه بالتنازل عن قطعة من أرض مصر مقابل حفنة من الأموال، العجيب أن تلك المزايدات وصلت إلى صفوف السلفيين فأضحى الآن سؤال «هل تيران وصنافير مصرية أم سعودية؟» بمثابة سؤال «هل القران مخلوق أم لا؟» أيام فتنة الإمام أحمد بن حنبل طيب الله ثراه، فإذا أجبت بأنهما مصريتان، فأنت جبان لأنك لم تصدح بتلك العقيدة في مواجهة طواغيت الحكم بزعمهم، أما لو أجبت بأنهما سعوديتان فأنت خائن وعميل تنافق النظام القائم وتبغي رضاه مهما كان الثمن.

ولكن هذا لا يمنع من البحث عن الجواب لذلك السؤال الحائر: هل تيران وصنافير مصريتان أم سعوديتان؟

ولكي نعرف الإجابة لا بد أولا أن نجيب على سؤال آخر –هذا السؤال موجه لكل من ليس له علاقة بالطب–:

أيهما أقوى تأثيرًا الأسيتامينوفين أم الإيبوبروفين؟

وحتى نجيب على ذلك التساؤل سيكون من المنطقي أن نطلب مساعدة طبيب أو صيدلي، فأنت ليست لديك المعلومات الكافية بالأمر كما أن الطب بشكل عام ليس مجال عملك ولا دراستك.

الأمر نفسه ينطبق على الجزيرتين، فلكي نحكم على مصرية الجزيرتين من سعوديتهما لا بد أن نلجأ للمختصين المتجردين غير المصبوغين بصبغة سياسية، ونمنحهم الوقت الكافي والإمكانيات المناسبة، ثم نسألهم بعد ذلك: بناء على ما قمتم به من بحث ودراسة وتحليل للوثائق والخرائط، هل ثبت أن الجزيرتين مصريتان أم سعوديتان؟، ثم نسلم بما قال به أهل الاختصاص بعيدًا عن المزايدات الفارغة والخطب الرنانة والتوظيف السياسي للحدث.

أيها الإخوة تمهلوا قليلًا، لا تسنوا سيوف ألسنتكم على حزب النور أو غيره لكونه لم يكون قرارًا حاسمًا بعد في تلك القضية، القضاء اختلف في مصرية الجزيرتين من عدمها وكذلك الكثير من الخبراء، فدعونا نتمهل قليلًا، الأمر ليس من قضايا العقيدة ولا الدماء، الأمر أهون من ذلك بكثير، كلها حدود مصطعنة رسمها البلاطجة، عفوًا أقصد الاحتلال، ليفرقونا فلا تكونوا لهم عونًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد