930

تفتيت وتجزئة العالم هو رغبة الأقوياء ومآل الضعفاء.

تعتبر أزمة جزيرتي تيران وصنافير كما هي أزمة قطر  حلقة من عدة حلقات ليست الأخيرة كما أنها لم تكن الأولى في سلسة انهيارات تلحق بالأمن القومي العربي، وتمس الحياة المصرية بشكل خاص والقضايا العربية والاسلامية بشكل عام ولعدة أجيال قادمة.

كما أنها تعتبر المؤشر الأوضح والأهم والأشد فجاجة على التوجه نحو تقسييم مصر وتفتيت قوتها الجغرافيا أولا، ثم تفتيت قوتها الديموغرافية ثانيًا، في إطار ونسق المخططات العالمية لتفتيت وتجزئة العالم بأكمله بشكل عام والعالم الإسلامي والمنطقة العربية بشكل خاص.

حيث إن تفتيت العالم لأكثر من 500 دويلة هو نقطة اتفاق بين عدة مشاريع سياسية واقتصادية.

تنحصر هذه المخططات في أربعة مشاريع رئيسية تتلاقى مع مشاريع صغيرة تتبناها أقليات عرقية ودينية وثقافية في غالب مناطق العالم، مثل الأكراد في المنطقة العربية والباسك والكتالون والأيرلنديون في غرب أوروبا وإقليم التبت وإقليم الإيجور وغيرهم في الصين وولايات أمريكية تسعى للاستقلال مثل كاليفورنيا ومكيسكوسيتي  والشعوب القوقازية في جنوب روسيا الاتحادية وغيرهم فهذه أمثلة للإشارة لا للحصر.

وتتمثل المشاريع الأربعة في الآتي

أولا : المشروع اليهودي الصهيوني
الهدف إنشاء دولة اليهود الكبرى بحيث تكون أكبر دولة من حيث المساحة وأقدم دولة من حيث النشأة، لك أن تتخيل ستكون إسرائيل الدويلة التى نشأت عام 1948م أقدم دولة تاريخيًا سواء حقيقة لأنه لن تكون دولة في العالم كما كانت قبل نشأة إسرائيل، أو بتزيف الوعي لكن هناك معوقات شتى (لكن المعوق الأكبر عدد السكان لذلك هناك سعي لتجنيس الكرد والدروز والشيعة والبهائيين).
وهذا المشروع يتفق مع المشروع الشيعي أو كما يطلق عليه السلفيون المشروع (الفارسي أو المجوسي) من حيث إن العالم لا بد أن يعيش حالة من الصراع والحرب والتفتيت لكي يظهر المخلص أو محمد بن الحسن بن علي المهدي  العسكري أو المسيح  (دمسايا عند اليهود).

تانيًا: المشروع الصليبي الأوروبي
وهو مشروع تفتيتي للعالم، وهو نابع من تركيبة العنصر الأوروبي الدائم النزعة للتفتيت، ولك أن تنظر لأوروبا القارة الأصغر في العالم، كم عدد الدولة المكونة لها وكم مساحتها وكم عدد سكانها؟ وتعتبر ألمانيا وفرنسا الدول الأكثر مجهودًا في توجهها لتوحيد القارة الأوروبية والذي يتعارض تاريخيًا مع مصالح كلا من روسيا الاتحادية وبريطانيا وتوجهاتهم تجاه وحدة أوروبا، وغالب مناطق السيطرة والنفوذ الخاضعة لهم فالقاعدة الأساسية للسياسات الغربية بشقيها الأمريكي والبريطاني هي قاعدة فرق تسد، والذي يترتب عليها ضعف معدلات ومؤشرات الاستقرار  السياسي والاقتصادي والاجتماعي مما يسهم ويساعد على استمرارية بسط السيطرة الاستعمارية على هذه المناطق.

ويعتبر مؤتمر  كامبل بنرمان أو ما يسمى بمؤتمر لندن، 1905 م – 1907 م النواة الأساسية والمهيمنه والمعبرة عن هذا المشروع الصليبي الأوروبي، والذي انبثق عنه كل من اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ومؤتمر فرساي ومؤتمر سان ريمو ومعاهدة سيفر ومعاعدة لوزان وبصدور قرار التقسيم 181 بتاريخ 29/11/1947 وإعلان قيام دولة إسرائيل بتاريخ 15/5/1948، وفي نفس السياق مخططات برنارد لويس للشرق الأوسط.

ملاحظة وسنفرد لها مقالًا كاملًا، هذا المشروع الصليبي الأوروبي يستخدم المشروع اليهودي باعتباره أداة بجوار الأدوات الأخرى لتفتيت العالم.


ثالثًا: مشاريع الشركات متعددة الجنسيات
الهدف منه السيطرة على الاقتصاد والأسواق العالمية دون معوقات من أي دولة سواء معوقات وطنية أو معوقات قومية أو دينية، بل إن النموذج الاقتصادي في العالم الآن هو نموذج تجزيء المنتج والتخصص المتناهي، ومن المعلوم أن النموذج الاقتصادي هو من يصنع المجتمع، ومن ثم يصنع النظام السياسي فكيفية وثقافة اكتساب الناس الأرزاق هي كيفيتهم في الحياة ومن ثم الحكم، وقد أوضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث (إذا تبايعتم بالعينة) فالحديث بدأ بالفعل الاقتصادي وانتهى بالوضع السياسي.

وأكد هذه النظرة كثير من قادة الفكر الاقتصادي والاجتماعي العالمي، وعلى رأسهم الجراح الاجتماعي ألفين توفلر في سلسة كتب بدأها بكتاب صدمة المستقبل إلى كتاب تحول السلطة.

وتتمثل فلسفة ورؤية الشركات متعددة الجنسيات في هدف تفتيت العالم في سعيها تجاه تقوية قوتها التفاوضية وقدرتها على فرض شروطها على كافة الدول، فلن يكون هناك دولة أكبر من أي شركة من الشركات متعددة الجنسيات، ولن تستطيع دولة أيا كانت أن تغلق أسواقها أو تضع سياسات حمائية لها، العالم سيصبح قرية من عدة قرى.

وأخيرًا المشروع الرابع

المشروع الجهادي (وواضعوه يقدمونه على أنه مشروع إقامة الخلافة) وهذا الطرح من حيث ميكانيزم الأحداث التغييرية في العالم، يتفق مع رؤية الفوضى الخلاقة لكونداليزا رايس والمحافظين الجدد، حيث إن أي نظام سياسي مستقر يسبقه نظام فوضوي وحالة من الارتباك والتدهور والتدني وبطريقة أخرى الفوضى هي حالة طبيعية للانتقال من نظام سياسي مستقر لنظام سياسي آخر مستقر، لكنهما مختلفان من حيث البنية التكوينية للنظام والأيدولوجيا الحاكمة.

وأهم الكتب المعبرة عن ذلك المشروع كتابان، أبدأ بالأهم وهو كتاب إدراة التوحش لـ أبي بكر ناجي. والكتاب الثاني  دعوة للمقاومة العالمية لــــ أبو مصعب السوري.
وتتلخص فكرة إدارة التوحش في قدرة فصيل جهادي في إسقاط نظم سياسية حاكمة أو إضعافها في مناطق عدة من العالم، وإقامة ما يشبه الإمارات الإسلامية الصغيرة والدويلات باعتبارها مرحلة ثانية من ثلاث مراحل للوصول إلى إقامة الخلافة الإسلامية.

كما أن هذه الفكرة طرحها الشيخ سيد قطب، باعتبارها مادة أولية عندما قال أنه قبل قيام الخلافة وتحرير فلسطين ستسقط جيوش وأنظمة حاكمة ودول عربية وإسلامية.

الأدوات المستخدمة

تختلف الأدوات من مشروع لآخر لكنها تنحصر في الآتي

(فمنها العسكري ومنها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها الثقافي (كوسائل التواصل الاجتماعي والاعلام والتعليم) ومنها توظيف الظروف البيئيىة باعتبارها أداة).

وسأتناول بإذن الله هذه الأدوات في مقال آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك