ذات مرة طلبت من طالباتي اقتراح موضوع للمناقشة كما تعودت وإياهن، فلقد دأبنا منذ أول لقاء جمع بيننا على تخصيص بضع دقائق لطرح موضوع ومناقشته سويًا بعيدًا عن جلبة الأحاديث الجانبية ودوشة المناهج الدراسية، ولم أتفاجأ بموضوع النقاش؛ فلقد اعتدت أن يُطرح عليّ السؤال ذاته كلما بادرت بسؤالهن عن موضوع يشغلهن ويُرِدن مناقشته معي.

«هو الحب حلال ولا حرام؟».

ولأنني أعي جيدًا أن ما يدور بخلد فتيات في مثل هذه المرحلة العمرية لا يمكن تغييره بسهولة، قررت ألاّ أعطي إجابة شافية لهذا السؤال مهما ألححن عليّ. تمنيت لو استثمرت ولعهن في تنمية مهارات البحث لديهن؛ فطلبت منهن أن يقمن بأنفسهن بالبحث عن إجابة شافية لهذا السؤال على شبكة الإنترنت. على أن نتناقش فيما وجدنه في اللقاء القادم.

في اللقاء الذي يليه قمن بعرض ما توصلن إليه من نتائج عليّ، وقد جاءت أحكامهن متباينة كل التباين؛ فبعضهن وجد أن الحب لا يمكن أن يكون إلاّ حلالًا، وبعضهن جزم لي بأن كل الأدلة التي ملأت شبكة الإنترنت تثبت وتؤكد أن الحب حرام شرعًا وعرفًا. وكلهن كن مصيبات!

رحت أتساءل كيف يمكن أن يسبحن جميعًا في نفس البحر، ويشربن من نفس الماء، وتتذوقه كل منهن بطعمٍ مختلف؟! كيف يبحثن بنفس المصدر، وتحصل كل منهن على إجابة مختلفة؟!

والحقيقة أن كلًّا منهن لم تبحث عن الحقيقة بل بحثت عمّا يثبت وجهة نظرها، ويريح ضميرها، ويجعلها فخورة برأيها الذي يجب أن يكون صحيحًا، بل ويجب أن تطابقه نتائج أي بحث!

استفدت من هذه التجربة أكثر مما استفادت طالباتي، ذلك لأنني خرجت بقاعدة لا تقتصر على رواد حجرات الدراسة، بل يمكن تعميمها على رواد قاعات الحياة! لقد تأكدت لي مقولة جلال الدين الرومي «ما تبحث عنه يبحث عنك»، وأيقنت أن نماذج قاعة الدراسة، نماذج مُصغّرة لما خارجها. وأننا جميعًا نسلك سلوك التلمذة إذا ما وُضعنا موضع التلاميذ!

لقد استيقظنا ذات يوم على خبر بيع – أو إعادة – جزيرتين للسعودية، وراح الجميع يتداول الخبر على طريقته. البعض ذهب يبحث عن الحقيقة المجردة، والبعض ذهب يبحث عن الحقيقة (التي تبرر ما اقتنع به بالفعل). لقد قالوا له أن الجزيرتين سعوديتان، فذهب ليبحث عمّا يؤكد سعوديتهما، والآخر لم يصدّقهم؛ فذهب يبحث عمّا يؤكد حقيقتهما، الأخير صدّق حدسه، وتمنّى أن تغلب وطنيته هواه، وواقعه لو أمكن، والأول آمن بهم وصدّقهم واتّبعهم، ولم يُقلقه إن أودى به هذا الاتباع إلى الهاوية! أو كان على حساب ما اعتقده دومًا واعتاد عليه! حتى ذهب أحدهم لأبعد من ذلك قائلًا في برنامج شهير: «لو الحكومة قالتلي أبوك مش أبوك .. هصدّقها».

لقد ادّعى كل فريق أن بحثه جاء مجردًا عن الهوى وظل يتهم الآخرين بالغباء، ويحثهم على القراءة والمعرفة والاطلاع، وأن يُغلّبوا روح العلم على روح الانتقام من السلطة السياسية، في حين أنه هو نفسه قد يكون أول المهللين لإلغاء ندوة علمية لمجرد أن من يُلقيها من معارضي النظام الذي يؤيده، وقد يكون أول المدافعين عن فكرة يرفضها العلم كليًّا وجزئيًّا تقول أنه يمكن تحويل الإيدز لكفتة! وأنه يمكننا اختراع عربة تطير، ويمكننا التعزيم على الجنيهات حتى تصير دولارات، وأننا بالفعل قد تمكنّا من إنشاء محطة نووية بإمكانات محلية لتوليد الطاقة النشوية! وأنه لولا تدخل الماسون الأعظم الذي تآمر والعالم علينا فأفسد مشروعنا العظيم لكنا في مقدمة الدول العظمى!

هذه الحالة تكررت كثيرًا، ولم – ولن – تقتصر على موضوع الجزيرتين، فكلما أصدرت السلطة قرارًا؛ راحت أبواق الإعلام تؤكده ثم أخذت تنعر من خلفها فئة لا تجيد سوى التأييد، وأخذت فئة أخرى تجادل أختها الأولى لاعنةً إياها وإعلامها وأيامها وسنينها! بينما في النهاية يمر القرار وسط هذه الحالة من العراك التي لا تنتهي إلّا بعراك جديد ينهيه آخر وهكذا! فلا القرارات تنتهي ولا الناعرون يَهْدَؤون، ويظل الرابح الوحيد رابحًا دائمًا ويظل الخاسرون كما هم خاسرين!

قرأت ذات مرة أنه سنويًا يُقتل ما يقرب من نصف المليون ثور بأبشع الطرق، وأن الثور على عكس ما هو معروف حيوان غير عدواني بالمرة! وغاية الأمر أن منظمي هذه المصارعات – بغرض الإثارة وجني الأرباح – يقومون بتغيير سلوكه الطبيعي قبل دخوله الحلبة لمواجهة مصارع الثيران (الماتادور)، من خلال عمليات بشعة إلى أبعد الحدود، حيث يقومون بفرك مادة الفازلين على عينيه لتشويش قدرته البصرية وتشتيته، بالإضافة لرش مادة حارقة أسفل أقدامه لجعله هائجًا دائمًا! ولمنعه من التوقف حتى عند التعب، بالإضافة لتكسير الإبر داخل مناطق حساسة من جسد الثور حتى لا يفكر بالجلوس على الأرض أثناء المصارعة، وإدخال قطعة قطن كبيرة في أنف الثور حتى آخر الحنجرة لإلهاث الثور بسرعة، فيكون هنالك فاصل زمني مناسب للمصارع بين هجمات الثور.

بعد أن يمر الثور بهذه التجارب المريعة؛ يُزّج به داخل الحلبة لتبدأ المصارعة أمام آلاف المشجعين، فيواجه المصارع ومساعديه! تستمر معاناة الثور لما يقارب نصف الساعة؛ حتى تخور قواه تمامًا ثم يقوم المصارع بالفقرة الأخيرة من الاحتفال وذلك باستخدام سيف أو خنجر، فيقوم بطعن الثور من حين لآخر قبل أن يجهز عليه في النهاية بضربة بين قرونه تقطع الحبل الشوكي!

بعد موت الثور تدخل عربة تجرها الخيول يقومون بربط الثور بها ليطوفوا بها الحلبة تحيةً للجمهور، وفي حالة أداء المصارع دوره بطريقة جيدة؛ يُقدّم له رئيس الحلبة أحد أذني الثور جائزةً! وأمّا إذا كان الأداء فريدًا من نوعه فإن المصارع يفوز بأذني الثور معًا وأحيانا يجمع بين الأذنين والذيل!

لقد مات الثور وأصيب الجمهور وأُنهك المصارع؛ من أجل أذن وذيل! أي عقلٍ هذا؟!

فلا الثيران تعيش ولا الماتادور ينجو! ووحدهم المنظمون من يجنون الأرباح وهم يستمتعون بالمشاهدة من أماكنهم المريحة خلف الستار!

وأنا أقرأ حكاية الثور وجدتني دون أن أدري أجنح بخيالي نحو حجرة الدراسة، أصوغ ما استفدته منها في قالب جديد.

«إننا نسلك سلوك التلّمذة إذا ما وُضعنا موضع التلاميذ، ونتخلّق بأخلاق الحلبة إذا ما ألقتنا الحياة فيها مجبرين!».

لقد جُرّدت الثيران من فطرتها المسالمة، وشُحن المصارعون بحب الاقتتال، ودارت المعركة أمام المشاهدين المُعرَّضين للإصابة في أي وقت، وظلت الذئاب على حافة الحلبة تنتظر غنيمتها من لحوم الثيران – أو مصارعيها -، بينما أبت العصافير إلّا أن تظل في الخارج تُغرد أسرابها متسائلة عمّا إذا كان الحب حلالًا؟ فهل ستكف الثيران عن الاقتتال؟ أم ستجعل من لحوم العصافير وجبة أخرى للذئاب؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تيران
عرض التعليقات
تحميل المزيد