(1)

(لعل هذا الجيل يتجاسر ويستدعي كامل همته وقوته، ويُقبل على المراجعة والفرز دون رهبة من أباطرة السيطرة وقهرهم، وغارات أُمراء الانتقام وحرابهم وطالبي الثأر يطاردون الماضي دون أن يخطر لهم أنهم شردوا خارج التاريخ إلى التيه في قفار موحشة!) محمد حسنين هيكل.

هذا هو الجزء الثالث من تلك السلسلة التي أكتبها عن الشأن المصري تحت نفس العنوان. كنت قد ذكرت في الجزأين الماضيين ما يلي:

(رابط الجزء الأول)

(رابط الجزء الثاني)

إننا ما زلنا في مرحلة الانتقال من شرعية (الرجل الواحد) إلى الشرعية (الدستورية القانونية) وذلك هو جزء من الصراع الذي نراه الآن. فالرئيس الحالي لمصر (عبد الفتاح السيسي) وبطانته من حوله يحاولون أن يجمدوا اللحظة الراهنة عند شرعية (الرجل الواحد) بما لها من «سُلطة مُطلقة» في اتخاذ القرارات، وبينما قوى أخرى في المجتمع تريد الانتقال إلى المرحلة الأخرى بأقصى سرعة.

  • بناء على ذلك فإن الرئيس هو وحده المسئول بعيدًا عن مؤسسات كارتونية لم تستطع أن تثبت نفسها بعد (مجلس الشعب أو «مجلس عليا الطلاق ولو سمحت» كما يطلق عليه المصريون).
  • إن النظام المصري منذ فترة يتخبط في أزمات ومشاكل مثل (أزمة الدولار) فالحقائق الاقتصادية مُرّة والنتائج المترتبة عليها متفاقمة والتعامل معها – حتى بأقصى درجات الكفاءة – صعب. و(الصراعات التي صارت علنية بين أجهزة الأمن والتأمين للاستحواذ على النفوذ والتأثير في صانع القرار) و(فك لغز مقتل الطالب الإيطالي «ريجيني» الذي سبب أزمة دبلوماسية مع إيطاليا) و(تجاوزات الداخلية التي عادت إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير وأسوأ) و(ارتفاع الأسعار الجنوني في البلد) و(تفشي الفساد بدرجة زادت عما قبلها وسط تصريحات منقولة عن الجنرال بأن «ذلك ليس هو الوقت المناسب لمحاربة الفساد»!) وأخيرًا وليس آخرًا (اتفاقية الجزر التي أنهت أي رابط بين تحالف 30 يونيو).
  • إن تلك المشاكل والأزمات تُسبب لذلك النظام «تآكُلًا في الرضا الشعبي» على المستوى الداخلي (رغم كل المُهدئات والمسكنات الإعلامية) مما يُنذر بحدوث قلاقل داخلية و«تعرية تتسبب في الخصم من (شرعيته) على المستوى الخارجي» وتلك التعرية تجعله عُرضة للابتزاز من الخارج قبل الداخل.
  • إن ذلك كله عائد لغياب مشروع وطني واضح المعالم ومحدد القسمات له خطة معروفة تتحرك على أساسها الدولة وتنظم المؤسسات والأجهزة عملها على إيقاعاته!
    • أن منذ ثورة 25 يناير وحتى ثورة 30 يونيو حدثت عملية تبادل منفعة بين الجماهير والجيش.
    • إن الجماهير المصرية تعاملت مع الجنرال (السيسي) بمنطق أنه الأمل لهذا اليوم الذي يغلب التشاؤم لذلك الأمس وأنه قد يكون الداء الشافي لذلك المرض العاتي!

    • أن الجنرال رغم فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت (والتي لم يكن له فيها منافس حقيقي) إلا أن شرعيته ما زالت هي شرعية (قبول وترقب) ولم تصبح شرعية (عقد سياسي واجتماعي كامل).
    • أنه من أجل أن تتحول الشرعية من شرعية (قبول وترقب) إلى شرعية (عقد سياسي واجتماعي كامل) يجب على الجنرال أن يكون لديه مشروع إصلاح اجتماعي حقيقي.
      • إن من يمنع وجود ذلك المشروع تلك الطبقة التي اصطُلح على تسميتها (الطبقة الرأسمالية) بينما حقيقتها هي طبقة (النهب المنظم لمصر) أو طلائع (الثورة المضادة) والتي شبت ونمت في ظل بركات عصر الانفتاح واتساع فردوسه الموعود! عندما أتى الرئيس المؤمن (السادات) وحاول أن يؤسس لنفسه شرعية مختلفة عن شرعية سلفه الزعيم (جمال عبد الناصر) ولم يكن مُمكنًا تأسيس الشرعية الجديدة بنفس الرجال وفي ظل نفس الأفكار فكان لابد من الانقلاب على الثوابت الأصيلة حتى ولو بالقتل مع سبق الإصرار والترصد!

        الرئيس المؤمن وضيوفه (نيكسون وكيسنجر) في الشكل الجديد للسياسة المصرية على الطريقة الساداتية ( سياسة عشرة بلدي!)

  • أن تلك الطبقة التي راكمت مئات الملايين من دماء ذلك الشعب المسكين! تعترض أي عملية إصلاح اجتماعي لأنها تعرف جيدًا أن أي إصلاح في ذلك الملف سيخصم حتمًا من أرباحها وسيفتح عليها أبواب الجحيم.
  • ومن يُرِدْ مثالًا على قدرة تلك الطبقة في مواجهة السلطة الحاكمة ينظُر إلى رجل الأعمال (صلاح دياب) لقد تم إلقاء القبض عليه في قصره وقيل أن الرجل متهم في أكثر من جريمة. وبدأت بعدها كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة المملوكة له ولغيره من (طلائع الثورة المضادة) أو (طبقة رجال الأعمال) سيان في فتح النار على النظام والتحدث بحسرة عن حالة حقوق الإنسان في مصر، وعن سوء معاملة الداخلية للمصريين وعن تجاوز القانون ومخالفة الدستور! وبعدها تم قفل الملف من قبل السلطة والنظام السياسي!

    (2)

(إذا كان هؤلاء أصدقاءك، فما حاجتك إذن إلى أعداء؟) مقولة منسوبة لنابليون بونابرت.

إن الكتابة عن الأحوال في مصر المحروسة كانت ولا تزال، وأغلب الظن ستظل فترة طويلة صعبة وشاقة وذلك لأن الحوادث في مصر مزيج بين حالة سيولة وجريان سريع، ويكفي أن نذكر أن الشعار الذي يُرفع اليوم هو شعار «التغيير».

«المؤيدون للنظام» يريدون تغيرًا يذبح المعارضين لذلك النظام!

و«المعارضون للنظام» يريدون تغيرًا يشنقون به النظام ومؤيديه ثم حرقهم بعد ذلك إن استطاعوا!

فكل يريدُ التغيير على هواه.

ولعلي أجتهد في موضوع التغيير من موقع (مُناصر الدولة) وليس (مناصر النظام) والفرق بين المعنيين كبير. فأقول محاولًا عدم لمس أصابع أقدام أحد، إن جزءًا من مشكلة التغيير تكمن في (صراعات مراكز القوى داخل المؤسسة الأمنية مدنية كانت أو عسكرية) وتلك مشكلة يبدو الرئيس الجنرال (السيسي) غير قادر على حلها رغم مجيئه من قمة جهاز أمني كبير (المخابرات الحربية) وذلك أمر يبدو محيرًا مرة وعصيًا على الفهم مرات. إن ذلك الموضوع شائك والظروف المحيطة به شبه مجهولة، وفي مواجهة مثل ذلك الأمر فإن كثيرين يؤثرون الخروج بالصمت عن لا أو نعم، أو بنوع من الغمغمة يفهمها السامعون كلٌ على هواه.
فالمشكلة في هؤلاء (مراكز القوى) تكمن في عدة نواحٍ سأحاول تلخيصها في عدة نقاط:

الرئيس (السيسي) مع المؤسسة العسكرية

1 – هناك من هؤلاء من «تصوروا أنهم أصحاب حق شرعي في أن يرثوا السلطة ويرثوا الثورة هذا إن تبقى منها شيء».

2 – وهناك من هؤلاء من «عجزوا عن تصور أن السلطة في أصالتها وسيلة لتحقيق غاية وهدف وليست السلطة في حد ذاتها غاية وهدفًا».

3 – وهناك من هؤلاء من «وصل بهم غرور السلطة إلى حد تصورهم لدورهم أنهم فوق القانون».

4 – وهناك من هؤلاء من «ترهلوا بالبقاء الطويل للسلطة وزاد ترهلهم عندما أصبحت السلطة في أيديهم جلبة للنفع المادي مباشرًا كان أو غير مباشر».

5 – وهناك من هؤلاء من «توقفوا تمامًا عن الفهم في مرحلة من مراحل تقدم الزمن وتطوره فأصبحوا بوعي أو بغير وعي من عناصر الثورة المضادة، بينما هم من المفترض واقفون في مواقع الدولة التي يقول دستورها أنها مؤيدة للثورة!».

6 – وهناك من هؤلاء من «فعلوا ما لا يقل عن ذلك سوءًا وهو أنهم عندما عجزوا عن الفهم ادعوه، وحين أعوزهم أن يعبروا، فإنهم لم يعبروا عن أنفسهم وعن وعي اكتسبوه بمعاناة الفهم، وإنما لجؤوا إلى عناصر كانت على استعداد لأن تبيع ألفاظًا مستحدثة تبدو وكأنها «لغة العصر» أو «لغة الظرف» وكان هذا خطرًا شديدًا لا يشفع فيه حسن النية لأنه أدى في النهاية إلى خلط وبلبلة شديدين!».

إن كل ذلك يجعل قطاعًا عريضًا من تلك الفئة تقف في وجه أي تغيير أو على الأقل تعكس تغيير مساره عن عمد أو جهل.

(3)

(عندما طلبنا العدل أخذوا منا الحرية، وعندما طلبنا الحرية كان كل ما حصلنا عليه هو سيرك برلماني هزيل) بيان لعصبة الدفاع عن الجمهورية في إسبانيا بعد الحرب العالمية الأولى.

إن الأمر الثاني لإعاقة التغيير في رأيي هو الفهم الخاطئ لاستخدام قوة الدولة لتتجاوز لاستخدام القوة المفرطة وبذلك ينسى صانع القرار أن استخدام القوة ممكن إذا التزم حدوده الدستورية والقانونية، ولكن عندما تتجاوز تلك القوة كل الأُطر الدستورية والقانونية فإن الدولة تتنازل من رجل الشرطة الذي ينفذ القانون إلى بلطجي لا يردعه رادع سوى قوة أكبر منه وأقوى!

في حقيقة الأمر ينسى صانع القرار أن تعسفه في استخدام تلك القوة وتجاوزه حدود تلك القوة بعيدًا عن الأُطر الدستورية والقانونية «يخصم من شرعيته ويزيد من كراهيته ويُحرض على إزاحته»!

مظاهرات الشباب ضد قرار التنازل عن جزر صنافير وتيران

إن مظاهرات يوم 28 أبريل التي قام بها الشباب ضد قرار يتنازل عن جزر صنافير وتيران مثال حي على ذلك.

إن تلك المظاهرات مهما كان فيها من جموح تُعتبر في الواقع ظاهرة صحية، وهي في أبسط صورها تعبير عن اهتمام بالمصير لابد من تقدير دوافعه وحتى لو ثبت أنه كانت هناك محاولات لاستغلالها فإنه من الضروري أن نفرق بين النوايا وأفعال البعض.

إن لمسات الجموح في هذه المظاهرات تعكس بالدرجة الأولى شعورًا عامًا يهز المجتمعات العربية كلها «بالقلق»
وهو الشعور بتخلخل في أسس «التصور» الذي كان يسند كل تصوراتنا العامة قبل موجة الربيع العربي، وسواء كانت هذه التصورات السابقة صحيحة أو كانت مُدخلة بشيء من التوهم، فلقد كنا قبل موجة الربيع العربي نقف على أرضية «تصور» معين فيما يتعلق باحتمالات التغيير والاعتراض.

إن قطاعًا ليس بالقليل من الجماهير المصرية بعد ثورة يناير اكتشفت أنها بالفعل على حافة الهاوية وحولها رُكام من بقايا حقائق وأكاذيب وبقايا أحلام وأوهام ليس بينها وتد متين يمكنها التعلق به أو الاستناد إليه لتفادي السقوط، إلا أن تقع معجزة، وهذا القطاع رافض لأي تحرك شبابي أو غير شبابي للمطالبة بأي حق أو للاعتراض على أي شيء.

وهؤلاء يرون أن المطلوب للبلاد في الوقت الراهن هو تحقيق نوع من الاستقرار الشرعي تتطلبه الظروف المستجدة، وكل ما فيها يدعو إلى التوجس والحذر ومن ثم التحوط المسبق.

إن هؤلاء الشباب أصحاب حق على النظام في أسلوب تعامل أبعد إدراكًا وأكثر عُمقًا وشمولًا، إن هؤلاء الشباب بحاجة إلى حقائق أوضح في أيديهم، بأكثر من حاجتهم إلى شعارات جوفاء يطلقها الرئيس الجنرال وتؤكد عليها أبواق النظام الإعلامية، تلك الشعارات لها في آذانهم مثل فرقعة السياط غرضها خلع القلوب من الخوف وإيقاف العقول عن التفكير وتحاول أن تُميت أو تشُل الإرادة عن الفعل!

صور لكيفية التعامل مع المتظاهرين

إنه لابد للنظام السياسي وعلى رأسه الرئيس الجنرال أن يعرف على وجه القطع ويؤمن بيقين بحق الشباب في مناقشة كل المسائل العامة، سواء في ذلك مسألة الجزر، أو غيرها من المسائل الأبعد والأشمل كقضايا البناء السياسي والاجتماعي.

إن المناقشة في ذلك كله وغيره حق للشباب، وإذا لم يتقدموا بأنفسهم نحوها فإن الواجب دعوتهم إليها، ذلك أن مشاركة الشباب في عملية التفاعل الديمقراطي ليست مجرد أمر مرغوب فيه، ولكنها مطلب ضروري، ولسبب شرعي أساسي، هو أنهم أصحاب الغد الذي من المفروض أن يكون النظام السياسي الآن يبنيه. ولا تملك أي سلطة أن تعترض هذا الحق أو تعطله، بل إن الجميع يجب أن يصونه ويحميه.

وكان نتاج كل ما سبق ذكره صورة شديدة التعقيد؛ فقد تداخلت الأزمات الحالية (اقتصادية وسياسية وعسكرية) وتفاعلت مع مشاكل ومُشكلات سابقة
وتشابك كل ذلك مع أزمة اقتصادية دولية فأنتجوا لوحة سريالية صعب قراءتها وفك شفرتها وفهم دلالاتها.

وكانت النهاية أن قطاعًا عريضًا من الشعب المصري وقف أمام خيار متعسف مؤداه أن الذين يعترضون على الأمر والواقع الحالي بما فيها تلك الإجراءات القمعية ليس أمامهم إلا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني بوجه وتقاطيع (الإخوان المسلمين).

وإذا لم يُبرئ هؤلاء المعترضون أنفسهم بقبول كل شيء بما في ذلك الوسائل القمعية والقسرية، فإنهم بالاعتراض يكونون متواطئين وإن لم يقصدوا مع قوى الظلام وشياطينها الشريرة!

انتهى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد