( 1 )

تقع جزيرة تيران (80 كيلومترًا مربعًا) وجزيرة صنافير (33 كيلومترًا مربعًا)، على مدخل مضيق تيران، الذي يفصل بين خليج العقبة والبحر الأحمر، بمساحة إجمالية تبلغ ( 103 كيلومترًا مربعًا) وتعتبر الجزيرتان مفتاحًا وشريان حياة لإسرائيل باعتبار مضيق تيران الممر الملاحي الوحيد لتواصل إسرائيل بدول أفريقيا وخلافه.

وتدخل الجزيرتان في محل خلاف بين مصر والسعودية، لكن الحكومتين استقرا وفقا لتقرير فني واتفاق سياسي اقتصادي أن تكون الجزيرتان ملك لطرف جغرافيًا، وملكًا للطرفين بالتواجد والإدارة وتقاسم الموارد؛ فنصت الاتفاقية على:

– أن يكون للمصريين حق دخول الجزيرتين كما كان بالسابق.
– حصول مصر على مبلغ 2 مليار سنويا مقابل تأمين الجزيرتين من الجيش المصري
– إنشاء جسر بري يربط الدولتين ويعظم من التجارة والتنقل والسياحة، ويربط قارتي آسيا وأفريقيا تجاريا وسياحيا ويسهل من عملية التنقل مخفضة الإنفاق المالي ويصنع من الموقع أكبر منطقة لوجستية بالعالم.
–  حصول مصر على 25% من كافة الموارد البترولية وغير البترولية دون تدخل مصر في عمليات التنقيب والاستكشاف.
– استثمارات بقيمة 1.5 مليار دولا لتنمية سيناء والحفاظ على أمن المنطقة والقضاء على جماعة أنصار بيت المقدس التابعة لداعش الإرهابية.

( 2 )

بهذا الاتفاق المبرم تكون مصر – والسعودية قد وقعتا ثاني أخطر وثيقة تعاون بالشرق الأوسط منذ 60 عام لما يترتب عليه هذا الاتفاق، من تحول سياسي واقتصادي وعسكري بالمنطقة.

( 3 )

ما يترتب على هذه الاتفاقية كالتالي:
– انتهاء حلم إسرائيل بإنشاء مشروع قناة بن غوريون الملاحية من إيلات حتى المتوسط.
– تقنين الملاحة بخليج العقبة وفرض رسوم المرور.
– تسليح الجزيرتين وإنهاء عقبة كامب ديفيد.
– استغلال الجزيرتين ومواردهم استغلالا أمثل.
– ربط القوتين العربيتين بريًا وتجاريًا وعسكريًا وفرض النفوذ العربي بالجزر.
– أنشاء أكبر منطقة لوجستية بالعالم.
– القضاء على الجماعات الإرهابية بسيناء، وإنهاء تمدد التطرف.
– صناعة دائرة قرار عربية خالصة وتوجيه المنطقة بسياسة القوة الجديدة.

( 4 )

جسر بري.. مزاعم ويقين الخطر لدى إسرائيل!!

مشروع الجسر البري ليس وليد اللحظة والصدفة إنما هو مشروع قديم عُرض سابقًا من المملكة العربية السعودية على الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك آنذاك، ولكن قوبل بالرفض تارة، وبالدراسة تارة أخرى، والهدف مماطلة أو خلافه، هذا غير معلوم الآن؛ ومع تولي الرئيس الأسبق محمد مرسي البلاد أعيد فتح المشروع مجددًا، ما استدعى خروج الإذاعة الإسرائيلية، بشكل شبه رسمي، لتؤكد أن الشروع في تنفيذ الجسر سيكون بمثابة «طرق لعصب الحرب»، ومع إبرام اتفاقية تنفيذ المشروع بشكل رسمي بين مصر – السعودية، لم يصدر بيان أو تعقيب من إسرائيل، وكان الصمت دليلًا لمراجعة إسرائيل لحساباتها وأوراقها، فالأمر لم يعد يتحمل بيان أو اعتراض لكونه متوجًا ومحصنًا بقوة القانون الدولي.

( 5 )

لماذا رفض مبارك مشروع الجسر البري وتسليم الجزيرتين؟

لم يكن مبارك إلا كغيره من الرؤساء العرب الذين يفكرون بشكل مستمر في مشاريع توريث الحكم إلى أبنائهم، فكانت كافة قراراته، ودائرة صناعة القرار، وسياسات الدولة تخطو على هذا المنوال، بأنه لا يجب أن تأخذ الدولة قرارًا في الصالح العام من شأنه الإضرار بمستقبل التوريث؛ لذا كان الرفض شيئا غير منكر لأن التنازل عن الجزيرتين للملكة العربية السعودية ستعتبره المعارضة آنذاك تفريطا وخيانة وعارا، وسيستثمر لصالح القوة المعارضة في تجييش وحشد المواطنين ضد التوريث، باعتبار أن الأب فرط في السيادة والأرض، فماذا سيكون الابن إلا صورة طبق الأصل من الأب؟! خاصة أن نظام الرئيس الأسبق نظام رأس مالي، ومارس الخصخصة بشكل موسع، وسيعتبر المواطنون التنازل شكلا موسعا من عمليات الخصخصة آنذاك.

( 6 )

المكاسب من وجهة نظر مصرية:

ولنفترض جدلًا أن الجزيرتين ملكًا لمصر كما يقول البعض بأنها أرض مصرية تم ترسيم حدودها مع الدولة العثمانية والدولة المصرية الخديوية، أي قبل إنشاء الدولة السعودية الثانية.
س : هل مصر تعمل باتفاقية ترسيم الحدود العثمانية أم تعمل باتفاقية ترسيم الحدود التي فرضها الاستعمار البريطاني على المنطقة العربية والمعترف بها بالأمم المتحدة؟
ج : مصر ودول المنطقة لا تعمل إلا باتفاقية ترسيم الحدود التي قام بترسيمها الاستعمار واعترفت بها الأمم المتحدة، ولا تقع الجزيرتان ضمن الحدود المصرية وفقًا لهذا التقسيم، ما يعني أن إذا قامت السعودية برفع دعوة تحكيم دولي كما فعلنا مع إسرائيل في طابا ستنتهي لصالح الشقيقة السعودية، ولكن؟! سيكون وقت إذ الوضع مختلفًا لأن السعودية حصلت على أرضها بقوة القانون الدولي لا بقوة العلاقة القومية المشتركة؛ ودون حصول مصر على أي منافع مالية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية بالجزيرتين رغم حمايتها لهم وتقديم التضحيات لعودتهم لحاضنهم العربي.

إذن مصر تفوقت بتحقيق أركان القومية العربية بل ووصلت إلى درجة تفوق هذا بكثير، بربط الدولتين بريًا وتوطيد العلاقات المصرية العربية إلى أعلى مراحل الأخوة، وحققت وانتفعت مع ذلك بمجموعة من المصالح كما هو موضح في البند (1).

( 7 )

المكاسب من وجهة نظر سعودية:

تعد هذه الاتفاقية أقوى حصيلة سياسية للملك سلمان بن عبد العزيز ليثبت أركان ولاية الأمير محمد بن سلمان مستقبلًا (وتعد هذه الاتفاقية ثمرة التوريث)، والتي تسعى مصر لتحقيقها أيضا لضمان مصالحها وعلاقتها الوطيدة بعبد العزيز، وتعد دليلًا على قوة نظام الملك سلمان بن العزيز نحو تحقيق مصالح المملكة خارجيًا وتحقيق السيادة، وضمان وجود مصر حليفًا إستراتيجيًّا وقوميًّا للمملكة، وسبيلًا سياسيًّا وعسكريًّا للحفاظ على الأمن القومي بمنقطة خليج العقبة والبحر الأحمر، ومصدرًا للاقتصاديات والاستثمار.

( 8 )

لماذا التوقيت الحالي لترسيم الحدود بين مصر – السعودية؟

أولا: التوقيت من الجانب المصري

يعتبر هذا التوقيت الأمثل لمصر للقضاء على مشروع قناة بن غوريون الملاحية الإسرائيلية المعتزم إنشاؤها هذا العام بتكلفة مالية تتخطى 15 مليار دولار بمساعدة البنك الدولي بقرض 3.5 مليار دولار بفائدة 1%، والهدف من هذه المشروع القضاء على قناة السويس الملاحية المصرية، وضرب مصادر مصر للحصول على العملة الصعبة «الدولار»، وكذا كشف الحدود المصرية بخليج العقبة وتحويل الخليج لصالح إسرائيل بدعوة وحجة مصالح النقل البحري العالمي بتوفير المدد الزمنية وتقليل موارد الإنفاق المالي للرحلات، ما يضع الأمن القومي المصري – السعودي في أشد مراحل الخطر والتهديد الدائم، ليحول الجانب المصري وقت إذ سياساته نحو الدفاع والإنفاق العسكري المكثف للحفاظ على الحدود والمصالح بخليج العقبة والبحر المتوسط.

وكذا ضغط مصر على الملاحة الإسرائيلية بخليج العقبة مقابل التخلي عن الدعم غير حسن النية لسد النهضة الإثيوبي، والذي يهدف إلي تقليل الموارد المائية المصرية ووضع مصر في حرج وخلافات دبلوماسية وعراك دولي بين دول حوض النيل.

ثانيًا: التوقيت من الجانب السعودي

الحفاظ على أمن خليج العقبة وأمن البحر الأحمر لما للملكة من مصالح اقتصادية بهم، وسيادة ملاحية يهددهما مشروع قناة بن غوريون ويرفع من نفقات الدفاع العسكري السعودي على حدوده بخليج العقبة ما يرهق موازنة المملكة دون فائدة أو عائد واضح سوى تحقيق أهداف العدو بإرهاق مصر والسعودية عسكريًا.

وكذا إثبات السلطة الحاكمة بالمملكة قدراتها الدبلوماسية والسياسية دوليا وأمام شعبها، وتثبيت أقدامها أمام شعبها، وخاصة تثبيت أقدام آل سلمان بالحكم لتمكين محمد بن سلمان من الحكم مستقبلًا.

ثالثًا : التوقيت من الجانبين المصري – السعودي

تعد هذه الاتفاقية التي أبرمها الجانبان المصري – السعودي أقوى اتفاقية إستراتيجية بمنطقة الشرق الأوسط تهدف إلى تثبيت قوة صناعة القرار العربي وإخضاع العالم والجوار إلى هذه القرارات والالتزام بها، فالاتفاقية دون أدنى شك وثيقة وإستراتيجية عربية لتحول السياسات بالمنطقة – وكأنها رسالة عربية ودرس مخابراتي يقول لقوة بعينها أو أطراف محددة أن القوتين العربيتين «مصر – السعودية» وحدهم من يغيرون مجري السياسات بالمنطقة، ويحولون مجرى دوائر الاقتصاد والتجارة أيضا، ويفرضون نفوذهم العسكري بقوة القانون الدولي، ولا يوجد ما يعيقهم أو يعيق مصالحهم مهما كان وجود هذا العائق بالخريطة الجغرافية أو السياسية.

( 9 )

عزيزي أدعوك أن لا تأخذ رؤيتي أو رؤية غيري حول الجزيرتين إلا بعد أن تضع نفسك في دائرة التحليل بعين #مواطن – إستراتيجي مسئول، وأن تسأل نفسك كثيرًا أسئلة من هذا القبيل:
– لماذا سلمت مصر الجزيرتين في هذه التوقيت تحديدا؟
– لماذا طلبت السعودية تسلم الجزيرتين في هذا التوقيت تحديدًا؟
– لماذا دعمت السعودية تنمية سيناء بقيمة 1.5 مليار دولار؟
– لماذا جعلت السعودية دخول المصريين كما كان في السابق للجزيرتين؟
– لماذا كلفت السعودية القوات المسلحة بتأمين الجزيرتين لمدة 60 سنة بقيمة 2 مليار دولار سنويًا؟
– لماذا إنشاء الجسر البري في هذا التوقيت تحديدًا رغم رفضه سابقا، واعتراض إسرائيل عليه بالسابق؟
– ما أهمية انتزاع الجزيرتين من المنطقة (ج) معزولة السلاح؟

حتما ستنتهي بعد أن تطرح على نفسك عشرات الأسئلة وتتناولها بتحليلك، وتبحث في إجابات الآخرين، إلى نتيجة واضحة بحقيقة الأمر دون الحاجة إلى بيانات حكومية أو تعليقات المسئولين، رغم أنها ضرورية وواجبة.

( 10 )

يجب أن تدرك أن الفترة المقبلة ستكون محل صراع بين كافة الأطراف، وستغرق السوشيال ميديا بالأخبار الواردة من الجرائد الإسرائيلية ويستند الطرفان المؤيد والمعارض لها دون النظر أن المصدر عدو (ينقل ما يشتت)، ودون النظر أن نقل الخبر يعد تطبيعًا لكونه مصدر ثقة واستناد؛ ستضخم البروباجندا المضادة حول الخيانة والتخوين والكل سيهاجم الكل حتى لا تتم الاتفاقية سواء بعناية من المشاركين أو دون عناية؛ والأهم من ذلك أن تدرك أنه ليس كل ما يدور ويصنع في غرف صناعة القرار لا بد أن تكون الشعوب مطلعه عليه، أو يتناوله الإعلام تناولًا صحيح، إلا إذا كان الإعلام موجهًا من السلطة لا من أفراد؛ وعلى الدولة أن تكون على قدر من المسئولية حول نقل المعلومات بشفافية سواء كان تنازلا لكون الأرض غير مصرية، أو تنازلا عن ملكية الجزيرتين مقابل مصالح أخرى وهنا يجب أن يكون الشعب صاحب الكلمة لا الحكومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد