قبل نحو ثلاثة أعوام، وتحديدًا في أبريل 2012، أعيد إطلاق فيلم “تايتانيك”، هذه المرة بتقنية ثلاثية الأبعاد (3D)، بعد أن اجتاح صالات السينما سنة 1997 بالأسلوب العادي.

 

ما ميز العرض الأحدث، هو تعديل بعض اللقطات، كتلك التي أشار إليها عالم فضاء والتي تظهر السماء ليلة غرق السفينة، فاللقطة في العرض الأول أظهرت مواقع النجوم بشكل خاطئ، فأصلح الخطأ في الإطلاق الجديد للفيلم.

 

لكن خطأ آخر كان أكثر فداحة من الأول، ففي العرض القديم للفيلم، لم يظهر بين الشخصيات أي رجل أسود، لكننا رأينا طبقتين بالمعنى الاجتماعي الاقتصادي، لكنهم من البيض. البرجوازيون وكانت البطلة روز تنتمي إليها وقد أدت دورها كيت وينسلت، والطبقة الفقيرة كان منها بطل الفيلم جاك الذي أدى دوره ليوناردو دي كابريو.

 

عدم وجود شخص أسود خلال مجريات الفيلم، لم يمر لدى المتابعين والنقاد، كون الوثائق المتعلقة بالسفينة تثبث وجود أحدهم وهو جوزيف لاروش، ولم يكن من العاملين في السفينة، أو نادلًا, أو خادمًا كما قد يعتقد البعض، نظرًا لما كان عليه وضع السود في بعض دول العالم بتلك الحقبة أي مطالع القرن العشرين.

الرجل الأسود على متن تيتانيك

جوزيف لاروش كان مهندسًا، وولد في هاييتي لعائلة غنيّة، أرسلته إلى فرنسا لإتمام دراسته عندما كان عمره خمسة عشر عامًا، وقد درس الهندسة، وكان يتقن اللغة الفرنسية والإنكليزية بشكل ممتاز، وتشير الوثائق المتعلقة بالرجل، أنه تزوج بفتاة فرنسية، وأنجب منها بنتين، لكنه لم يتمكن من إيجاد عمل في فرنسا بسبب العنصرية، لذا قرر العودة إلى هاييتي مع زوجته الحامل بولده وابنتيه، حيث كان عمه رئيسًا لهاييتي حينها، وقد وجد له عملاً كمدرس للرياضيات.

 

أُرسلت والدته له تذاكر على المستوى الأول في التايتنك هديةً له ولزوجته، ولكنه استبدلها للمستوى الثاني حيث كان يمنع تواجد الأطفال على موائد الطعام في المستوى الأول، وكان مضظرًا لإبقاء ابنته المريضة معه وزوجته طوال الوقت للاعتناء بها.

 

تم التعرف على قصة لاروش عندما افتتح متحف جديد يضم وثائق متعلّقة بالتايتانيك، وكان من بين هذه الوثائق صورة للمهندس الهاييتي، نشرت في إحدى المجلات حيث كانت تقرؤها امرأة في صالون تجميل صعقت عندما رأت الصورة وقالت “إن هذا الشخص نسخة عن زوجي” وعندما شاهد زوجها المدعو ألبيرت ليبرون، الصورة وعلم أن اسم عائلة هذا الشخص هو لاروش، فتذكر أن اسم عائلة والده هو لاروش ولكنه لم يتعرّف على والده، وتم تسجيله باسم عائلة والدته.

 

حينها طلب الرجل من ابنته أن تستقصي عن هذا الشخص، وبالفعل فقد توصلت إلى الرابط العائلي الذي يصل والدها بالرجل الأسود الوحيد على متن التايتانيك، وتبين جراء البحث أن جد جوزيف لاروش تزوج إحدى عشرة مرة وكان جوزيف حفيده من زوجته الأخيرة،  والرجل الذي وجدت امرأته الشبه بينه وبين لاروش كان من نسل الزوجة الأولى للجد.

الرجل الأسود على متن تيتانيك

ليلة غرق السفينة، في الرابع عشر من أبريل 1912، عندما اصطدمت السفينة بالجبل الجليدي كان جوزيف لاروش يدخّن في الحجرة المخصصة للمدخنين، هرع من فوره للاطمئنان على زوجته جولييت وابنتيه، والسفينة بدأت بالغرق، فأوصل الرجل زوجته وابنتيه إلى أحد قوارب النجاة وأعطاها معطفه الذي وضع فيه جميع مجوهراتهم وأموالهم التي كانوا يحملونها، ـ سرق المعطف لاحقا ـ وأخبرها أنه سيلتقي بهم في نيويورك، لكنه لم يفعل. لم يتمكن لاروش من النجاة في حادثة الغرق المأساوية لسفينة “تايتانيك” كما لم يعثر على جثته.

 

نجت جولييت وابنتاها وابنها الذي لم يكن مولودًا وقت غرق السفينة، وعادت إلى والدها في فرنسا، لكن والدها خسر معمل تصنيع النبيذ الخاص به مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، فعاشت زوجة لاروش وأولاده سنوات من الفقر، إلى أن حصلوا على تعويض عن حادثة الغرق.

 

جولييت لم تتزوج بعد لاروش، كذلك ابنتاها، ويقال أن السبب يعود للخوف الزائد من قِبَل والدتهما, وعاش ابنها حياةً عادية وتزوج وأنجب أولادًا. تعد سيموني ابنة جوزيف لاروش من آخر الناجين الذين بقوا على قيد الحياة وقد توفيت عام 1998.

 

رحلت سيموني ابنة جوزيف لاروش سنة 1998، وهي آخر الناجين من حادثة غرق “تايتانيك”، وألبيرت ليبرون الذي كان السبب وراء ذيع صيت أن رجلاً أسود كان على متن السفينة قال: “أريد أن يعرف الجميع أن الرحلة كانت متجهة إلى هاييتي، وأنه كان على متنها رجلٌ أسود ولم يكن خادمًا أو نادلا، أذكر مشاهدة فيلم التايتانيك مع والدي عام 1997 وقد أصابتني القشعريرة وقتها, الآن باتت هذه الحادثة تعني لي أكثر.”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد