إن تفاصيل الأشياء أحيانًا قد تجدي نفعًا، وأحيانًا لا تجدي وتكون مضيعةً للوقت، كذلك الانغماس في تفاصيل نعلم تمام العلم بأننا لن نستفيد منها، وهذا يعني أننا ما زلنا عالقين في قوقعة الفراغ.

لو تذكرنا الأمر الإلهي الذي وقع على بني إسرائيل بذبح البقرة، وتذكرنا معه مقدار الأسئلة التي طرحت من قبل بني إسرائيل، لرأينا مدى انغماسهم في تفاصيل لن تعني لهم شيئًا، وهي بمثابة اللهو، فقد لهتهم التفاصيل الصغيرة وانشغلوا بها عن المقصد الأساسي وهو الذبح.

إن الإنسان بطبيعته يميل إلى الفضول والجدال كثيرًا، فالمعادلة هنا «الاكتراث بالتفاصيل الصغيرة + الفضول = الجدال»؛ فقد نتج من الاهتمام بتفاصيل ذبح البقرة وأسئلة الفضول جدال مع الله، وهذا شيء مرفوض تمامًا فأوامر الله لا جدال ولا تعارض ولا رفض فيها، لأن أوامر الله تبقى محط تنفيذ لا جدال.

وقع جدال بين الجاحظ والإسكافي حول إسلام أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، فالجاحظ يقول: إن إسلام أبي بكر أفضل من إسلام علي بن أبي طالب، فإن معرفة الحق بعد الضلال والعودة إلى الرشد بعد التيه الذي كان يعمر الصديق، عقبه صلابة في الموقف وهذا ما شهدنا في السيرة ومواقف الصديق، التي غيرت مجرى أحداث الحضارة الإسلامية، والتي أثبتت حب الصديق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالإسلام بعد بلوغ الحلم، وإسلام المتقدم في السن أفضل في نظر الجاحظ، فهو يعاني من مؤونة الرؤية واضطراب النفس وشقة الانتقال إلى دين قد طال فهمه.

أما الإسكافي فيقول: إن إسلام علي أفضل من إسلام أبي بكر، فإن علي ترك اللهو واللعب على غير عادة أقرانه، فهو أمن بما ظهر له من دلائل الدعوة، فقهر شهوته وغالب خواطره وخرج من عادته، وحمى نفسه عن الهوى وكسر شر حداثته بالتقوى.

إن الجدال الذي دار ها هنا لا فائدة منه، فأولًا وأخيرًا كلاهما من أهل الجنة، سواء أكان أبا بكر أحد العشرة المبشرين بالجنة، أو عليًّا بن أبي طالب الذي قتل، في رواية تقول إنه قتل أثناء صلاة الفجر وهو يؤم الناس، ورواية تقول أثناء ذهابه إلى صلاة الفجر، بغض النظر عن كيفية القتل؛ فالمهم هو القتل نفسه وأنه قتل ظلمًا.

خارج السياق:

عندما كان الرسام الشهير «بابلو بيكاسو» يمشي في السوق، رأته امرأة فجاءته بقطعة من ورق، وقالت له بسعادة وحماس: سيد بيكاسو إنني من أشد المعجبات بك، فهل يمكن أنْ ترسم لي شيئًا؟

فاستجاب لها ورسم لوحة سرِيعة ثم قدمها لها، وقال: «إن هذهِ الرسمة ستساوي مليون دولار» فردت بدهشة وإثارة: ولكن سيد بيكاسُو إنك لم تستغرق إلا 30 ثانية فقط لترسم هذه التحفة الفنية! فضحك وقال: لقد احتجتُ إلى 30 عامًا حتى أتمكن من رسم هذه التحفة الفنية الصغيرة.

إن نظرة التصغير من قبل المجتمع لعملك، الذي أتقنته وأصبح شيئًا روتينيًا في حياتك ما جعل مهمة إنجازه سهلة هي نظرة دونية، فهم جهلوا كم من سنة مكثت فيها تتدرب وتتعلم من أجل أن تقضي عملك بسهولة، وفي الوقت الذي لا يقلل ذلك من قيمته.

أحد أهم حتميات الحياة هو ألا تكترث برأي أحد يقلل من شأنك، دعك من فلان ماذا يقول عنك، إن سعيك لهدفك ومضيك قدمًا نحوه، لا تجعل رأي أحدهم فيه يؤثر في خطاك نحوه، بعض من البشر لو لم يقولوا رأيهم ربما لشعروا بأن الحياة مملة، ربما يكون التبعيض هنا يكسر قاعدة الاقتصار على القلة، فمن الممكن أن يكون ذلك التبعيض كناية عن كثرة مشؤومي الرأس أولئك، ليتنا نتبنى فكرة «لا تتحدث إلا إذا كنت ستضيف لا لتقول»، فالصدع بالرأي أو النقد إن لم يكن مقيدًا بالنفع فلا حاجة للمنتقد فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد