أن تكوني في هذا المجتمع أنثى.. فهذا الأمر مرهق جدًا، ذلك يعني أنه عليك أن تُخضِعي كل خطوة، كل همسة، كلّ كلمة لجملةِ عمليّات حسابيّة جدّ دقِيقة، أَن تسِيري على صرَاط، وإِن سقطتِ؛ فسيهُبّ الملائكة حولك لِرَجمك.

أن تكوني أنثى يعني أن تكوني تمثالا من شمع، منحوتًا بدقّة وعناية لا متناهية، ولا تحيدي عن تصميم التّمثال قيد أنملة، أن تعيشي كذلك التّمثالِ جسدًا دون روح، وتجهضي كلّ ما بداخلك قبل ولادته.

أن تكوني أنثى هنا يعني أن تخضعي لقيود الملائكة حولك، وأن تُرغَمي على أن تسيري وفق ما أرادت لهم أهواؤهم، وما خطّت لهم خُرافاتهم وأساطير آبائهم الاولّين.

أنْ تكُونِي أنثَى في مجتمعي فإنّه يجدر بك أن تلغِي كينُونَتك من إنْسان، إلى درَجة أقلّ من ذلك، إلى خادِمٍ للإنسان الأعلى منكِ درجَة، لإشباع حاجاتِه النّفسيّة والجسديّة والجنسيّة والاجتماعيّة. لا، لا تفقدين إنسانيّتك دفعةً واحِدة؛ فأنت تولدين إنسانًا يتدرّج بك الفقدان بتطوّرك البيولوجيّ.

أن تكونِي أنثَى فهذا يعنِي أن يستمرّ من حولك باستغْلالِ الدّين والرّب لمحوك، يقيّدونك باسم الرّب، يقتلونك باسم الرّب، يخرِصونك باسم الرّب، يقتلون كلّ ما فيك ويقولون هذه مشيئة الرّب! وربّك بريء ممّا يريدون لك، ربّك يريدُكِ أعلى، أعلى، يريدك أنقى، أتقى، أرقى، يريدك ثمينة، يريدك قويّة يريدك أن تكونِي! أنتِ!

في مجتمعي الذكوريّ الذّي يمجدّ الجنسَ الذّكوري باعتباره إنسانًا ويحتقر الأقَلّ منه درجة، أن تكونِي أنثى فهذا لا يعنِي أن الرّجل من يحتقرك، يريد محوَك، طمس حقوقك، ومنعك من أن تكوني، لا يعني أنّ الرّجل هو من يمجّد لذكوريّته، بل هي منظومة اجتماعيّة كاملة، بل إنّها قد تكون أنثَى مثلك، أنثى كأنتِ، فهي التّي رضخت لكلّ هذا وسمحت به.

الأمر قاهِر، أن تستمرّ أنثى مثلك بتحطيمِ مسيرتِك، طمسِ وجودِك، وتمجيد الجنس الذّكوريّ، وترسيخ تلك الطّلاسم التّي فُطر عليها هذا المجتمع، ولعلّهما طائِفتان، أو نوعان، ذلك الصّنف الذي يحوي أنثى ألغت وجودَها واتخذت أن تكون تابعًا للإنسان الأول، وامتدادًا له، وأن يكون الآمر والنّاهي، متخذ القرارات، ومسطّر الحياة، والرّب فوق الأرض، وقبلت أن يلغى دورها تمامًا، واكتفت بالطّبخ والجلي والعناية بالأولاد والسّهر على راحة الملك المبجّل.

وأخرى زعمت أنّها فقهت، وتحرّرت، ونصّبت نفسها ندًّا للذّكر، وطالبت بالمساوَاة، وألغت تمامًا دوره وتخلّت عن وجوده، فطالبت بالاستقلاليّة واقتمحت كلّ ميادينه، هجرت كلّ ما أملاه رجل لأنّه رجل، وكثيرًا ما حادت عن مبادئها كأنثى.

وكلتاهُمَا ليستا أنثى كما يراد لها أن تكون، ولا كما خلقت لتكون، فالأولى استسلمت، وخضعت، وآمنت أن ذلك ما هو من نصيبها، والثّانيّة تجاوزت أنوثتها انتقامًا من قيود الأولى، وتعدّت أن تكون، فكانت فوق طاقتها، وخسرت الكثير منها في طريقها، فأقامت الحجّة على نفسها، فظنّت الأولى أنّها على حقّ. أنتِ كأنثى خلقتِ لتبذلِي لا لتذبلي، فلا تنكري وجودك، ولا تتجاوزي حدودك، وكوني بين ذلك قواما.

أنت إنسانٌ والذّكر إنسان، مختلفان طبيعيّا في الكثير، بالرغم من الكثير الذّي يجمعهما، فأنّى للمساواة أن تكون، وما هو إلّا ضربٌ من عدم، إن هو إلاّ عدلٌ يقوم بينهما. غير ذلك فإنّ الرّجل ليس ندًّا، ليس وحشًا، ليس عدوًّا، ليس كذلك، ولكنّه ليس ربّا ليقدّس!

له ما له، وعليه ما عليه، هو ببساطة شريك في هذه الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد