«نعم عزيزي القارئ لقد اجتمع الجلادون والمجرمون مع ضحايا حوادث القتل، والتعذيب، والاغتصاب تحت سقف واحد ومظلة واحدة. اعترفوا، وصفحوا، وتعانقوا، وبدأوا من جديد، لأنهم جميعًا أدركوا أنهم مضطرون للعيش في نفس البلد ونفس المكان، وليس بإمكانهم أن يغادروه، وبالتالي عليهم أن يؤسسوا لحياة جديدة، وعالم جديد لا يعرف الكراهية، ولا الانقسام، ولا العداوة، ولا القتل على الهوية. لهذا فلا غرو أن تصير هذه البلاد رغم محدودية إمكاناتها المادية، والبشرية من طليعة الدول الإفريقية الجاذبة للاستثمار، والقابلة للنمو، والراغبة في الحياة، وليس في الانتحار».

بهذا اختتم دكتور جمال الجمل اقتباسه من حكاية الدكتور محمد أشرف عبد المقصود، مصري مقيم ببريطانيا، عن دولة رواندا التي مرت بكارثة إنسانية تمثلت في حرب أهلية سنة 1994، بين قبيلة الأغلبية الثائرة، وهي الهوتو، وقبيلة الأقلية التي تميزت بالأرستقراطية والمستوى العلمي الأعلى كعبًا، وهي التوتسي.

يروي الدكتور أشرف بشاعة المجزرة، حيث قتل ما يقارب المليون إنسان من عشرة ملايين هي تعداد البلد الكلي. وفي اختصار شديد ومرور الكرام بالعقوبات التي حكم بها على كبار المحرضين، وبعض المزايا التي نالها أهل الضحايا، يقفز الكاتب  -وأجدني منساقًا لتكرار كلامه- إلى قضية المصالحة بين القبيلتين، وقبول أهل الضحايا لها إدراكًا ووعيًا أن سلسلة التقاتل لن تجدي، ولن تثمر إلا مزيدًا من الدمار، وأن التصالح على ما كان من الماضي هو الحل الأمثل لقتل الأسباب التي أدت إلى نهر الدماء الذي سار على ضفتي الكونجو، فرع النيل في رواندا، لتنطلق رواندا في اتجاه النمو الاقتصادي الصحيح، وتصبح مع بداية القرن الواحد والعشرين على قمة الدول المشجعة للاستثمار في إفريقيا.

الحقيقة أن التمثل بالتجارب السابقة أمر ضروري، إذ إنه من الحكمة أن نتخذ منها ما نتمثل، وندلل بها على صدق وصواب ما ندعو إليه، وأننا لم نأت ببدع من الرأي، والتاريخ مليء بالدروس والعبر لمن أراد إلى ذلك سبيلًا. ولعلنا قريبًا، إن شاء الله، نذكر بتفاصيل أكثر تجربة جنوب إفريقيا أيضًا. لكن ينتابنا القلق والخوف حين التطرق إلى ذكر تلك التجارب بشكل يزيد من سوء وطئة الواقع المريرعلينا لسببين: الأول هو أننا نخشى أن لا ندرك أهمية المصالحة كما فعلوا حتى نمر بنفس، أو ما شابه ما مرت به تلك البلاد من كوارث، وقد  نالنا من ذلك بالفعل جانبًا ليس بالقليل، وإلا ما تمثلنا به! جُلُ ما نتمناه أن نكتفي بهذا القدر ونعتبر، لكن يبدو وكأننا نسير إلى الأسوأ، وهو أمر لو نعقل أو نعلم خطير.

أما الثاني فهو ماذا لو لم تكن هناك تجارب أخرى نحكيها لنؤكد بها ضرورة البعد عن دوائر العنف، والكراهية، والقمع، والظلم المستمرة، والمغلقة علينا الآن؟ أليس كافيًا ما وصلنا إليه من حال كدليل على أننا لسنا في الطريق الصحيح؟ ألا يكفي أننا لسنا كما أراد أي منا وراودتنا أحلامنا سابقًا؟ وقد كان هذا الحلم قاب قوسين أو أدنى لولا أن أُغلقت العقول، وصمت الآذان، وصار التواصل بين الجميع مرفوعًا دائمًا من الخدمة! لماذا نجد أنفسنا منحصرين في صياغات مثل «حتى لا نكون مثل سوريا والعراق» و«حتى نكون مثل رواندا»، أو «نفعل مثلما فعلت جنوب إفريقيا»؟ ألا يكفي أننا يجب أن نكون مثل ما كان يجب أن نكون؟ هكذا ببساطة شديدة، مثل ما يستحقه شعب دولة بقدر مصر، مثل ما تمناه من مات من أجلها طوال العهود السابقة منذ الاحتلال البريطاني، مرورًا بنصر أكتوبر، ونهاية بكل من ضحى بنفسه خلال الأعوام الخمسة الماضية من شباب مخلص، وجنودنا وظباطنا في سيناء، أو أيًّا من كان في أيٍّ من الميادين. أليس الانحراف عن ذلك الهدف كفيلًا بإفاقتنا من تلك الغيبوبة؟

أيًّا من كان من يقود المركبة الآن، فهو منشغل عن الطريق بصراعه ليستقل بها منفردًا عن مرافقيه الذين بدورهم لا يأبهون إلى أي منحدر يسيرون إلا أن يتولوا هم القيادة، ويعلم الله وحده متى تصل بهم جميعًا الأمور إلى الهاوية، في حين يحاول كل منهم إلقاء الآخر على جوانب الطريق. لقد وصلنا الى مرحلة نتمنى فيها العودة إلى مفترق الطرق، بدلًا من أن نستمر في طريق خطأ نهايته مُهلكة، وأقصد هنا أن نعود لمرحلة أن يكون الخلاف على شكل حوار صريح، يطرح الجميع رؤيته بهدف كيفية إعلاء مصلحة البلاد المتمثلة –عكس ما كان بادئ الأمر من طموح وسقف مرتفع- في أولوية رفع العذاب عن فقرائها، ومساكينها، ومرضاها، ومظلوميها الذين تضرروا من كل الأحداث التي مررنا بها في الأعوام الخمسة الماضية. ولم أغفل هنا التنويه والتأكيد على حق من راح ضحية العنف، وآلة القتل، والانفلات الأمني أيضًا، لكن لكل مقام مقال، ولا يكفي بضع سطور في فقرة هنا للحديث عنها.

ما زلنا في طور المكابرة، يعلم النظام الحالي أن القمع والإقصاء الكلي لكل من يواجهُهم بفسادِهم لن يجدي نفعًا، وأن بيع الوهم في صورة مشاريع دعائية لن يحصنهم حين السقوط على صخرة الواقع الذي يزيفونه، وشاهدت فصائل الثورة الآن أن استمرار نفس الأداة طوال الوقت كان خطًا، ورأى الإسلاميون –والمصطلح مقتبس من الأستاذ فهمي هويدي- كيف أن الإصلاح السياسي مقدم على الإصلاح الديني، وأن قيم العدل إن غابت فلا جدوى من دستور يقول أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع، بل إن وجودَها بجوار مواد ترسخ لتمييز المحاكمات والمتحاكمين  يعرضها –أو بالأحرى يعرضهم- للسخرية، وأن غياب نفس المادة مع غياب الظلم، والقمع، والفساد يعني وجودها ضِمنًا.

قطعًا ليس الأمر بسهولة سرده في كلمات. فهناك دماء سالت، ومراجعات فكرية ضرورية، ومناهج سلطوية متخللة، وتنازلات يجب أن تُقدَم، ومراكز قوى تؤخذ بالحسبان، وحقوق لا يصح الأمر إلا بحفظها، وجدليات وخلافات؛ بل وصراعات مُتوقعَة. لكني أؤمن بأن أية حلول، أو سبيل غيره هو محض إهدار لطاقة البلاد، و بُعد عن المصلحة الكبرى، وهي الحفاظ عليها من مصير من ندعي أننا لن نصبح مثلهم.

لا أجد ما أختم به خيرًا مما قدمت به. أَعِدْ قراءة ما أُقتبس من كلام الدكتور أشرف، وتخيل جديًا أن ذلك أمر تم بالفعل، وصار ماضيًا ويقينًا لا محض تخيلات أو تأليف، بل هناك عدة تجارب أخرى مشابهة  بحيث إن مجموعها ونتائجها ترد على من يدعي عدم جدواها، أو فرصة نجاحها في بلادنا في الوقت الذي نملك نحن فيه من عصارة التاريخ، والثقافة ما كانوا هم يفتقدونه:

«نعم عزيزي القارئ لقد اجتمع الجلادون والمجرمون مع ضحايا حوادث القتل، والتعذيب، والاغتصاب تحت سقف واحد ومظلة واحدة. اعترفوا، وصفحوا، وتعانقوا، وبدأوا من جديد، لأنهم جميعًا أدركوا أنهم مضطرون للعيش في نفس البلد ونفس المكان، وليس بإمكانهم أن يغادروه، وبالتالي عليهم أن يؤسسوا لحياة جديدة، وعالم جديد لا يعرف الكراهية، ولا الانقسام، ولا العداوة، ولا القتل على الهوية. لهذا فلا غرو أن تصير هذه البلاد رغم محدودية إمكاناتها المادية، والبشرية من طليعة الدول الإفريقية الجاذبة للاستثمار، والقابلة للنمو، والراغبة في الحياة، وليس في الانتحار».

وللحديث بقية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المصالحة
عرض التعليقات
تحميل المزيد