أتدري كيف غاب الوعي عنا مع توافر أدواته؟

أتدري لماذا انحسرت عنا شطآن العلوم وامتدت لغيرنا؟

أتدري كيف سُرقت أعمارنا من غير أن نشعر بها؟

حدثني عن حصيلة ساعات يومٍ قضيتَه تسبح في لجج مواقع التواصل الاجتماعي أو تنهل من معين الإعلام وقنواته. ماذا أضفت؟ وما الذي أضيف إليك؟ وما قدره وقيمته؟ هل ثمة انطباع حسَنٍ طرأ عليك أو سلوكٍ مشينٍ لفظته؟

حدثني عن عملٍ نافعِ عزمت على القيام به، ثم لم يشغلْك عنه شاغلٌ. حدثني عن حلمٍ أيْقَظَتْكَ صحْوتُه ثم أخْمَدَتْه همَّتُك، عن فكرةٍ قطَعْتَ على نفسك عهدًا، إلا أحييتَها ثم ماتت. أو عن بذرة خيرٍ أرَدْتَ إنباتها نباتًا حسنًا، ثم أهْلْت عليها تراب الدعة والأعذار، ولم تروها بالعمل والمثابرة.

إن آفة الكثير منا أننا لا نريد أن نُتقن شيئًا، ولا أن ننجز شيئًا، ولا نبتغي وصولًا للإحسان في شيء، نُسَخِّرُ الجن ولا نقبل أن نُسَخِّرَ عقولنا في التركيز على شأنٍ ذي قيمة، نُـتِمُّه وننجزه ونبرع فيه،  فقط ما نريده أن نروي ظمأ معلوماتنا بالتقاط معلومات مبتورة من أبواب مختلفة وميادين متعددة لنوهم أنفسنا بأن لدينا قدرًا من العلم يستر حقيقة جهلنا، والحقيقة أن ما جمعناه «لا شئ» وأن حصيلة ساعات، بل أيام أمام شبكة مكتظة بالمعلومات أن لا علم لدينا، ولا معين نافع استقينا منه.

هل نعرف حقًا  لماذا نحيا؟ وماذا نريد؟ وماذا نقول؟ وماذا نقرأ؟

إننا لو أدركنا معنى الحياة لعلمنا أن أوقاتنا أسمى من أن نقضيها نسمع لمن يتكلم بكلمات تلعنه حروفها، أو نقرأ لمن يكتب كثيرًا، ولا يقول شيئًا، وأن حياتنا أنفس من أن نفتح موقعًا نتابعه لأننا اعتدنا على متابعته دون أن نتفكر في ثمرة متابعته، وماذا أبقى فينا؟ وماذا تبقى منا؟ حياتنا هى ألا ننقم العيش، ولا نمسك بتلابيب الأعذار، دون أن نحسن العمل، أو نفهم حقيقة أنفسنا، وقدرها وخفاياها.

إن العقل يا صديقي كالقارب لا يبحر في أكثر من بحر في آن واحد، وما لا يسعه العقل لا يأنس به، بل يلفظه، أن يطرق أحدنا بابًا يعرف لماذا طرقه، وماذا يطلب منه، ثم لا يوصده، إلا وقد أتم مطلبه وحاز ما يريده، كان عمر رضي الله عنه يقول «كنا نحفظ العشر آيات لا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بها». لا يقرأ ليقال عنه قارئ مطَّلع، ولا يشدو بألحان الحديث ليقال لبيبٌ مدكر، وإنما كانوا يقرؤون ويسمعون؛ ليعملوا بما تلقت أبصارهم وأسماعهم. كانوا يتعلمون العلم، لا ليُنَظِّروه أو يناظروا به، إنما ليحيا فيهم، ويمشوا به في الناس،  لم يكونوا بحاجة إلى فيض  حديثٍ عن الصدق والبذل والإحسان؛ إذ كانوا يعيشون بالصدق ويعيشون بالعمل والبذل، فكان علمهم نافعًا قادرًا على انتشالهم من ظلمات التيه وكآبة الفوضى إلى نور الهداية وراحة الإحسان.

كلمات عمر رضي الله عنه كلمات رائد في السلوك والمعاملات، تفتح أبصارنا وتحرك أنفسنا نحو هناءة العيش وطيب المقام، أن نتابع العلم بالعمل، فلا نحسن القول ونسيء العمل، أن تحسن إلى نفسك  قبل أن تسيء لغيرك، فلا تغدق على الناس من ثمار المعروف ونفسك قاحلة ظمأى إلى معروفٍ أو إحسانٍ إليها. ألا نخلص في نافلة ونتساهل في فرض، أن تعرف ماذا تريد وما ينبغي أن تكون عليه، فلا تتراكم الأعمال عليك، ثم تخرج بلا عمل، ولا تتزاحم الأفكار في رأسك، ثم لا فكرة بعينها تسعى لها أو تخطط، من شغلته فكرة أتم دراستها دون أن تزاحمها أفكار أخرى، ومن تصدر لمهمة أتمها على الوجه الذي ينبغي، فلا تتداخل المهام، ولا يضيع عمل بجريرة عمل آخر، من صلى كان تركيزه في صلاته لا شيء يشغله غيرها يقيمها ويتمها، ومن ذاكر فليُتم وقته في المدارسة والمطالعة لا يصرفه صارفٌ، حتى وقت الراحة، أن تحفظ له حقه، وتستمتع فيه بحق.

إن الحياة لا تمد يد العون لواحد، إلا إذا مدّ إليها يد البذل والكفاح، من أصبح وأمسى يصارع نفسه بين الحق والأحق والواجب والأوجب والنافع والأنفع منه، ثم يمضي موجهًا عقله ونفسه للأوجب، وإن عارضه واجبٌ آخر، من كابد الليالي يلُمُّ شعث نفسه بمقارض المحاسبة: لم فعلَتْ؟ ولمَ لمْ تفعلْ؟

إن الفوز الحقيقي الذي لا يسبقه فوز أن ينتصر الإنسان على صعيده الشخصي، فيعرف من نفسه مكامن قوتها وضعفها، ويلتمس خفايا آفاتها، يسبر أغوارها ويحررها من كل سطحية أو فوضى.

أن تصنع لنفسك عالَمًا تعيش به ويعيش بك، تحبه ويحبك، تنعزل عن الناس؛ لتخلو به، كان النبي صلي الله عليه وسلم حين يفزعه خبرٌ أو يشتد عليه أمرٌ، كان يلجأ إلى عالَمه الذي صنعه لنفسه، كان يلجأ إلى الصلاة . هذا عالَمُه الذي يجد فيه نفسه وتهدأ به سريرته ويشفي به صدره. وإبراهيم عليه السلام لاقي من قومه جُرمًا ونارًا، فاعتزلهم وآوى إلى جنة دعائه التي أعدها لنفسه؛ فانهمرت عليه العطايا والمنح، وفتية الكهف ما كان الله ليخلد ذكراهم، إلا حين صنعوا عالَمهم في كهفهم معتزلين شطط قومهم،  فلما آووا إلي الله في عالمهم المؤنس لهم الموحش لغيرهم  شملهم الله برحمته ورفع ذكرهم وأضحوا قرآنا يتلى.

إن طيب الحياة وأمنها مرهون بسلامة النفس وانضباطها، من بات همه نفسه يهذبها ويسمو بها، يصرفها عن سفاسف الأمور ويرقى بها نحو كل مكرمة، اعمد إلى نفسك، فشيد بها جنة من أفكارك تأنس بها، إذا أوْحَشَتْكَ أفكار من حولك، وتصون بها عقلك، إذا راودوه عن حكمته، وتَسلَم بها من كل تشويه أو تشويش.

عليك يا صديقي أن تدعو الله كثيرًا أن يصطنعك لنفسه كما اصطنع موسى لنفسه، وأن تُصنع على عين الله، فهذا رأس العلم ومنبع الوعي وغاية العمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد