الثيران القاسية الفظة العدوانية المخلوقة للقتال والمناطحة، المتبخترة بأجسادها القوية غير العابئة بالآخرين، هل يمكن أن تكون غير ذلك؟ هل يمكن أن تختار أن تكون عاطفية لطيفة رقيقة وحنونة عاشقة للورد ومحبة للطبيعة ورافضة رفضًا قطعيًا لفكرة المناطحة والمصارعة؟

نعم! يوجد ثور واحد كذلك:

إنه الثور فيرديناد!

قرابة الساعتين نشهد فيها نموذجًا استثنائيًا لثور صغير يكون همه أن يرعى وردته الصغيرة من أن تدوسها أقدام الثيران الأخرى، التي همها الأوحد أن تكبر وتقوى لتناطح وتذهب إلى حلبة المصارعة حيث لا يعود أحد! حين تم اقتياد أبي فيرديناد إلى حلبة المصارعة ولم يعد منها أبدًا!  ثارت ثائرة فيرديناد وكسر السور وفر من الحظيرة! لا ليست هذه هي الحياة التي يريدها! بعد مغامرة مؤلمة وشاقة انتهى به المطاف في مزرعة للورود ومع فتاة صغيرة أحبته ورعته فعاش بين الحب والجمال وهذا كان ما يريده فعلًا!

لكنه كان بجسده ثورًا والثور الصغير كبر ولم يعد يستطيع ممارسة نفس نشاطاته وهو عجلٌ صغيرٌ وهنا يولد التحدي بين قدره واختياره! إن روحه خفيفةٌ حرةٌ محبةٌ للجمال ولكن جسده ثقيل!

تبدأ هنا سلسة من المفارقات المضحكة بين شعوره بذاته وبين حجمه الواقعي وكما يراه الناس! لكن روحه هي هي! تنتهي المفارقة به ليعود سجين الحظيرة الأولى التي هرب منها أول مرة ويعود ليلتقي لرفاقه الثيران الذين نموا كما أرادوا واقتربوا من هدفهم في الحياة وهو أن يكونوا وقودًا لحلبة المصارعة!

يجدون أن فيرديناند قد أصبح ضخم الجسم مثلهم ولكنه مازال يكره ويرفض القتال!

يغدو فيرديناند منبوذًا مثلهم رغم أن ضخامة جثته تدفعهم لتحديه للقتال ولكنه لا يبالي! من خلال احتكاكه معهم يتعلمون للمرة الأولى أن هناك في الحياة شيئا اسمه: الصداقة، والحب، والعطاء بلا مقابل، والبهجة البريئة، والتعاون مع الآخرين.

يصر فيرديناند على رفضه لأن يكون ثورًا للمصارعة ويقرر الهرب عندما يرى صور كل الثيران التي ذهبت ولم تعد ومنها صورة أبيه! ولكنه يرفض أن يهرب وحده! يرفض أن ينقذ نفسه فقط، بل يريد إنقاذ الجميع!

لقد كسب ثقتهم من خلال تعامله المختلف الراقي والآن يستطيع إقناعهم وإقناع حتى المعارضين أن من حقهم حياة أفضل! حياة مختلفة عن الذي يسوقهم له قدر جماعتهم الحتمي! ويهربون في مشهد مضحك جدًا! وفي اللحظة الحاسمة يدفع بهم فيرديناند للأمام لكي ينقذهم ولكنه هو نفسه يقع في الأسر! في مشهد يمثل معنى القيادة بالقدوة والتضحية بالذات من أجل الآخرين مما يعني أنه فعلا استحق أن يكون قائدًا ونموذجًا!

لكن  فيرديناند يساق قسرًا إلى حيث رفض منذ اللحظة الأولى! إلى حلبة المصارعة! يقف فيرديناند ولا يهاجم ولا يتحرك! لكن المصارع أمامه يريده أن يصارعه!  فيرديناند لا يهاجم! يحاولون استثارة فيرديناند وينجحون في تحريكه قليلًا ولكنه يرفض الهجوم! وفي لحظة وهو يحاول الخلاص من غوايتهم لاستثارته يجد تحت قدمه التي يرفعها وردة! نفس الوردة التي حارب من أجل أن يحميها من الدهس وهو صغير!

يرفع فيرديناند قدمه عن الوردة ويتراجع! يصفق الجمهور المحتشد بحرارة لفيرديناند! هم أيضا لم يعرفوا نموذجا آخر غير المصارعة والدم والقتال، ولكن فيرديناند يعرفهم على أن هناك طريقًا مختلفًا! طريقًا ليس فيه عنفٌ ولا قتالٌ ولا دمٌ! وأنه ليس من الضروري أن ينشب المصارع سيفه في لحم الثور حتى تُهنأ أرواحهم! فهناك ما هو أجمل وأكثر ملامسةً للروح! هناك ما هو أسمى وأرقى! في هذه اللحظة ييأس المصارع من أن يدخل فيرديناند في الصراع ويتراجع للخلف! وهنا ينفجر الجمهور بالتصفيق وتنهال الورود كالمطر على فيرديناند العاشق للورد! يأتي رفاق فيرديناند لإنقاذه من حلبة المصارعة ليجدوه مكللًا بالورد! يقدم فيرديناند نموذجا ناجحا فريدًا ومغايرًا لرفاقه وللبشر ويعود مجددًا للطبيعة ومزرعة الورود الجميلة التي عاش فيها مع صديقته الطفلة الصغيرة ويعيش وأصدقاؤه في انسجام ووئامٍ مع الطبيعة والنَّاس.

بكيت طويلًا وأنا أشاهد الفيلم في صالة السينما ورغم أنه فيلم كرتوني للأطفال إلا أنه لامس قلبي! كم هو صعبٌ أن تكون مختلفًا! أن تفكر بطريقة مختلفةٍ! أن تختار طريقًا مغايرًا لما جرت عليه العادة! أن تدرك للحياة معنى أعمق بينما يطفو غيرك على القشور! وأن تدرك أن نجاتك وحدك لا تكفي بل تريد أن تقنع الآخرين وتقودهم إلى حيث يستطيعون أن يبصروا ما بصرت به! إنه قرارٌ واعٍ وشجاعٌ وصعبٌ وثمنه غالٍ ولكنه يستحق! لأنك تشق لنفسك وللآخرين طريقًا جديدًا وتفتح الأعين على أسلوبٍ جديدٍ للحياة! ستجد مقاومةً وهذا بديهيٌ ولكن عليك أن تستمر بالمحاولة!

إنه لشيءٌ جميلٌ وملهمٌ لطفلٍ صغيرٍ أو شخصٍ كبيرٍ أن يتعرف على قصة كقصة الثور فيرديناند ليتعلم ألا يخجل ولا يخاف من إظهار فكرٍ أو سلوكٍ مختلفٍ وأنه يمكنه – مهما ظن أنه ضعيف -أن يفعل الكثير إن تمسك بشجاعته وإصراره ورغبته في أن يكون قائدًا بالقدوة لينقذ نفسه والآخرين!  

هنا يدرك المرء أنه في اللحظة التي يظن فيها أنه انتهى وأنه قد أحيط به، يولد أمل جديد! فلا شيء في هذه الحياة يذهب عبثًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنمية ذاتية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد