كانت أمي تقول لي: «إذا كنت جنديًا، فستصبح جنرالًا، وإذا كنت راهبًا، فستصبح البابا»؛ غير أنني كنت رسامًا، وأصبحت بيكاسو» – بابلو بيكاسو.
نعم إنه البحث عن الذات وتحقيق الذات، بين ما نريده نحن وما يريدونه، فإما أن نكون أو لا نكون،كذلك أراد بيكاسو لنفسه أن يكون رسامًا استهوته الريشة والألوان فصار يرسم لنفسه وبنفسه لوحات عشقها العالم كله.

لطالما استهوتني هذه المقولة لبيكاسو، وأخرى لعدد كبير من المشاهير والناجحين الذين حققوا ذواتهم فأبهروا العالم لأنهم لم يلتفتوا لأي شيء آخر.

لكن في وطني ليس كل طبيب يعشق تشخيص الأمراض وتضميد الجراح، وليس كل أستاذ تستهويه الطبشورة والوزرة البيضاء، وليس كل جندي يهوى البندقية ورائحة البارود، وليس كل قاض يحن إلى المحكمة والجلسات، بل وليس كل مهندس يبدع وهو يدير أو يصنع تلك الآلات، هي بكل بساطة لم تكن اختيارات وإنما أقدار يفرضها الواقع ويزكيها المجتمع، بين رغبة في تحقيق تلك الذات المزيفة المتمثلة في الوصول لمناصب تجعل منك الشخص المثالي الذي يريدونه، وتقديم تضحيات جسام على حساب شخصيتك وميولك الإبداعية، في مؤامرة مجتمعية تستهدف النيل من الكيان الذاتي وتقمع التنوع والإبداع، لتصنع منا نسخًا لشخصيات بئيسة مسيرة لا مخيرة، خاضعة لسلطة الأهل والجيران والمحيط والواقع ككل.

ويبقى الهاجس الأول تحقيق حياة كريمة ومستقبل أفضل من بين الأسباب التي تدفعنا للتخلي على شغفنا وميولاتنا الإبداعية لمجال معين، لتظل تلك الرغبات قابعة في خزانة الأحلام المؤجلة إلى حين.

في ظل مجتمعات تكرس ثقافة الخوف من المستقبل المجهول وتحقيق أحلام هي بالأحرى حقوق وحاجات طبيعية في مجتمعات أخرى، فالمواطن العربي سقف تطلعاته وآماله منذ نعومة أظفاره «وظيفة، وحياة كريمة لأسرته ووالديه»، لذلك تجده يربط تحقيق الذات بالدخل الفردي والاستقرار العائلي، هذه الهواجس تقتل فينا كل الملكات الإبداعية وتجعلنا فعلًا مقيدين خاضعين.

فتحقيق الذات حاجة نفسية ضرورية لكل إنسان قبل كل شيء، ولقد تحدث عنها أغلب علماء النفس ومن بينهم المنظر وعالم النفس «أبرهام موسلو» وصنفها ضمن هرم الحاجات التي قسمها إلى خمسة أقسام: حاجات فيزيولوجية، حاجات الأمان، حاجات الانتماء والحب، حاجات تقدير الذات، وحاجات تحقيق الذات التي وضعها في قمة الهرم.

إذن إذا لم تتوفر للإنسان الحاجات الأربع الأولى كيف سيستطيع تحقيق ذاته التي تعبر عن الأهداف العليا؟ كيف سيصل بذلك إلى مستوى الاستقرار النفسي الذي يكون من خلاله راضيًا على ما هو عليه؟!

ولعل خير مثال على ذلك أن كثيرين يصلون إلى التقاعد ثم يعودون للدراسة في الجامعة، لأن ظروفهم السابقة لم تسمح لهم بتحقيق ما كانوا يطمحون إليه، فيسعون ولو في عمر متأخر إلى تحقيق جزء صغير من تلك الرغبات المؤجلة.

فإلى متى ستظل الأحلام التي تعبر عن رغباتنا وطموحاتنا سجينة مقيدة؟ إلى متى سنظل نصنع من ذواتنا صورًا لا تمثلنا؟ وإلى متى سيظل المنصب علامة على الرقي والتقدم؟!

فتحقيق الذات إذن رهين من جانب آخر بالتحرر وتحقيق الحرية الكاملة، ولا أقصد بالحرية تلك المتعارف عليها في المواثيق الدولية! فأنا أعرفها وأحفظ الفصول!

الحرية الحقيقية تتمثل في التحرر من الحواجز المجتمعية والثقافية السلطوية، أن تفكر كما تشاء أنت، ليس كما يشاؤون ويفكرون.

أن تختار مسار حياتك ومستقبلك كما تراه وتريده أنت، ليس كما يريدون ويفرضون. أن تشعر أنك متحرر من سلطة الزمان والمكان الذي تعيش فيه. أن تتحرر أفكارنا من حواجز الصمت وقلاع الخوف ونظرات المجتمع وتعبر نحو الذات الإنسانية في جوهرها الخالص. أن نتحرر من سلطة التقاليد المتعارفة ونأخد بالإيجابي منها، فما مضى مضى ودفنا رماده في الذاكرة، وما كان صالحًا لزمان لا يمكن نسخه لزمان آخر.

فالتحرر إذن أن تعبر بفكرك نحو عوالم غريبة عنك وأن تصل بوجدانك إلى ما وراء ثقافتك محاولًا تحقيق ميولاتك الإبداعية، أن تكون أنت ذاك الشخص الذي تراه في مخيلتك، وأن تسعى لتحقيق أحلامك بشغف وحب وإصرار رغم كل الصعوبات، وأن تحول كل طاقة بداخلك إلى طاقة إيجابية ستقودك فعلًا إلى تحقيق رغباتك وطموحاتك.

والحقيقة أن مقالي هذا يمثلني ويمثل الكثيرين، ممن سيصادفون تدوينتي، ولربما ستشدهم الكثير من الكلمات، وكأني أتكلم بلسان حالهم «فإما أن نكون، أو لا نكون!».

لكن وبإذن الله، وكما كتب عملاق الأدب العربي محمود درويش: «سنكون يومًا ما نريد، لا الرحلة ابتدأت ولا الدرب انتهى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك