امتهان التدريس بما يتطلبه ذلك من تعامل راق بين الأساتذة وبين الطلبة من مختلف طبقات المجتمع وقطاعات الجغرافيا وانتماءات الفكر، لهو أمر جدير بالتقدير وغاية في استحقاق الاحترام. فالتدريس وبخاصة الجامعي هو الأصل في تأسيس العقل وتنمية المهارة وتشجيع التفكر وإذكاء النقد بين المتعلمين، ناهيك عن كون من يتصدون لمهامه الشاقة ممن يلبون نداء الدين والضمير بنشر نافع العلم بين بني البشر فضلًا عن الوجاهة الاجتماعية التي يحظونها حيثما حلوا أو أقاموا باعتبارهم أهل التنوير وأربابه، لكن أن يكون المرء أستاذًا مبتذلًا بما يعنيه ذلك من ميله للتسطيح وتأييده للاستسهال ودعمه للسخف من القول أو الفعل يجعل من محبته عسرًا واحترامه تعجيزًا وأخذه على محمل الجد عبثًا.

المأساة تبدأ في جامعة القاهرة، تحديدًا في كليتها للإعلام، محل دراستي لأربع سنوات كاملة لا أعلم حتى لحظة كتابة هذه السطور كيف مرت بهذا التسارع أيامها، ولا متى حدث أن تخرجت منها في خبرة حياتية لا يمكن وصفها سوى أنها الأسوأ والأكثر عدمية بين كل ما مررت به وهو للحق ليس بكثير.

يقتلني غيظًا كيف كان أشد العناصر سخفًا في هيئة التدريس أكثرهم شعبية ونيلًا للثناء،كيف يكون أحدهم مبتذلًا -بكل ما تحمله اللفظة من دلالة- ومعجبًا به من جانب من يلقي بسخافاته عليهم في كل محاضرة؟ وكيف تنفق هذه السيدة ثلاث ساعات متصلة في كم مذهل من الهراء الأكاديمي الذي لا يحمل ذرة واحدة من المنطق أو التعقل؟ ماذا دهاهم هؤلاء القوم؟ كيف يختارون أساتذة الجامعة تلك الأيام؟ كيف يُستأمن هؤلاء على عقول الطلاب في مقتبل العمر؟ بل كيف وصل بهم الحال إلى الحصول على درجتي الماجيستير والدكتوراه من جامعة أخرجت لنا يومًا قامات مثل طه حسين وجهابذة كأحمد لطفي السيد؟ أي أحمق هذا الذي أعطى هذه المرأة أو تلك سلطة تقدير درجات الطلاب وتقييم مستواهم الدراسي على الرغم من عدم إلمامها لأبسط قواعد التواصل وافتقارها لأساسيات اللغة العربية قبل الإنجليزية وفقدانها مهارات الشرح والإيضاح؟ أي لجنة تلك التي قيمت أبحاثها وفحصت أطروحاتها وراقبت أداءها؟ ووفق أية معايير أو شروط جرى قبولها باعتبارها أستاذة جامعية تمارس مهنة التدريس ووظيفة التعليم والإفهام؟ رحماك ربي مما رأته عيناي ولمسته يداي وسمعته أذناي من تشوه الفكر وفقر المحتوى واعتماد التلقين وتخلف المنهج وتدني الثقافة ونبذ التجديد وعوار الإدارة مما يصير معه كظم الغيظ وامتلاك النفس وحفظ اللسان ضربًا من المحال .

هذه أستاذة تهاجم فصيلًا سياسيًا على غير انحيازاتها، وتمنع آخرين من مجرد بيان آرائهم في جهل مدقع وتحيز فج وتمجيد لكل ما هو سلطوي وتقليدي وفارغ، وأخرى تنفق من الوقت ما يصعب على الإحصاء في ذكر كتل من الهراء مما لا يتعلق به الدرس من بعيد أو قريب، وثالثة تخطئ قواعد الهجاء ولا يزال يصعب عليها الوصول في الميعاد، وتلك رابعة لا تقبل سوى الحفظ الأصم باعتباره نموذجًا موحدًا لإجابة الأسئلة يكاد يكفر من يخالفه أو يعترض عليه.

المأساة ليست فقط في هؤلاء ولا فيمن اختارهم لأداء عمل هم بعيدون كل البعد عن أبسط متطلباته ولا حتى في المنظومة المشوهة التي أفرزتهم وفرضتهم علينا أساتذة كرهًا وجبرًا، المأساة في نظري تكمن في هؤلاء الذين يحبونهم ويجلونهم ويكيلون لهم المديح في الوجود ويبعثون لهم برسائل الاطمئنان وقت الغياب -المصطنع بأعذار واهية في أغلب الأحيان!- هؤلاء هم الذين يعنيني شأنهم ومن بأمرهم أهتم ولأجلهم أكتب وبسببهم أحيانًا أشتاط غيظًا وأشتعل غضبًا، وكيف قبلوا بكل هذا ولم؟

لا يحتاج المرء لوفرة في العقل ولا حدة في الذكاء ليدرك أن من يقف أمامه نصاب ومدع لا يمكن له تحت أي ظرف ووفق أي نظام أن يكون أستاذًا يحمل نفس اللقب الأكاديمي الذي يحمله ستيفن هاوكينج وناعوم تشومسكي ومصطفى السيد.

أمثلة القبح ومروجو التخلف يتواجدون في كل الأنظمة وداخل جل المجتمعات، وبالقطع لا يعقل تصور بشر دون أخطاء يرتكبونها أو سقطات يتعثرون فيها، وإلى هنا لا داعي للقلق طالما أن الاعوجاج يُقوم والزلل يُصحح والمخطئ يُقوم، الاستغراب في من يرى الابتذال ولا يحتج ويختبر الرديء فلا يرفض حتى يصبح الغث من صنوف البشر اعتيادًا والدنيء منهم مألوفًا بما تختل به القواعد ويزداد معه الاستثناء رسوخًا، مفسحًا الطريق لتكاثر الحمقى وتكالب الجهلة.

بالطبع لا شيء يضاهي كون المرء محبوبًا من أعضاء الأسرة ودوائر الزمالة وأواسط الجيرة وشبكات المعرفة وروابط الصداقة، فالمدهش هو أن يحبه من حوله لسخافة يبديها وتهافت لا يخجل منه وغباء لا يكف عنه في مزيج يستعصي بحق على الفهم والاستيعاب ويصعب على التقبل أو التبرير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد