* بين يدي القول.. في ضرورة المراجعة والتجديد

يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».

والتجديد هنا يعني العودة إلى نبع الدين الصافي، بعد أن علقت به شوائب عدة مع مرور السنوات والعقود؛ شوائب الأفهام المغلوطة والممارسات المنحرفة، ليعود المنهج بعد هذا التجديد واضحًا نقيًّا كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وليس التجديد بالمهمة السهلة، حتمًا يقف في وجهه ضعف الهمة، وتفرق الجهود، وإلف العادة، والركون إلى الراحة والتقليد.

يعبر عن تلك الصعوبة خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز -وقد تصدى لهذه المهمة في زمانه- بقوله: «إني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره».

وقد يكون القائم بمهمة التجديد شخصًا واحدًا، أو مجموعة أشخاص متفرقين أو مجتمعين، أو تيارًا فكريًّا تجديديًّا مجتمعًا في تنظيم أو متناثرًا في بقاع شتى.

ويرى كثير من العلماء والمفكرين أن حسن البنا كان ذلك المجدد في زمانه، بتجليته للناس الفهم الصحيح الشامل للإسلام، وبتأسيسه تيارًا فكريًّا وتنظيمًا محكمًا يعمل لعودة مجد الإسلام ويمتد أثره في عمق التاريخ وأنحاء العالم الإسلامي.

يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين» متحدثًا عن البنا: «أصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة».

ويعلل هذا الوصف بأن البنا «وضع جملة مبادئ تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف الغائم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء بيد آسية وعين لماحة، فلا تدع سببًا لضعف أو خمول».

ويقول عنه الكاتب الأمريكي روبير جاكسون في كتابه «حسن البنا الرجل القرآني» -بعد أن التقاه في منتصف أربعينيات القرن العشرين-: «وكان حسن البنا الداعية الأول في الشرق الذي قدم للناس برنامجًا مدروسًا كاملًا».

وإذا كان منهج الله تعلق به عبر الزمن شوائب الفهم والممارسة؛ فإن امتداد الزمن جدير بأن يلصق هذه الشوائب بأية مدرسة فكرية تتفرع عن ذلك الأصل الرباني.

وإذا كان منهج الله يحتاج كل مائة سنة إلى من يزيل عنه هذه الشوائب ويجدد فهمه وممارسته؛ فإن دعوة الإخوان المسلمين بحاجة إلى مثل هذا الصنيع بعد مرور ما يقرب من تسعين عامًا على تأسيسها.

يحتاج الإخوان المسلمون إلى مراجعة أفهامهم وقناعاتهم وتصوراتهم وممارساتهم في ضوء المنهج الذي رسمه لهم مرشدهم الأول؛ فقد علق بكل ذلك بعض شوائب ينبغي أن تزول، وتلك سنة الله في خلقه، فإن فعلوا عادت الجماعة قوية فتية نحو أهدافها التي تأسست من أجلها، وإن تقاعسوا وجمدوا جرت عليهم سنة الله التي لا تحابي أحدًا «وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم».

لا سيما أن الجماعة تمر بمرحلة فاصلة في تاريخها، يتناوشها الأعداء من كل جانب، ويتنازع بعض أبنائها ونخبتها الآن صحة الفهم وصواب التوجه، وما حديث أزمة الإخوان الداخلية الحالية ببعيد.

وقد كان حسن البنا نفسه أول من أدرك حاجة الإخوان المسلمين إلى دوام المراجعة والتجديد، وكان أول من طبق هذا المبدأ عمليًّا.

يقول في رسالة «المؤتمر الخامس» ١٩٣٩ بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس الجماعة: «ولا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض برنامجنا، ونراجع فهرس أعمالنا، ونستوثق من مراحل طريقنا، ونحدد الغاية والوسيلة؛ فتتضح الفكرة المبهمة، وتصحح النظرة الخاطئة، وتعلم الخطوة المجهولة، وتتم الحلقة المفقودة، ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم، من غير لبس ولا غموض».

ويقول في رسالة «المؤتمر السادس» ١٩٤١: «تجتمعون الآن -أيها الإخوان- لتراجعوا صفحة أعمالكم، ولتتبينوا مراحل منهاجكم، ولتتحدثوا إلى أنفسكم وإلى الناس عن دعوتكم من جديد، لعل في ذلك تبصرة وذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين».

وعلى هذه السُّنة جرى فهم كبار علماء الدعوة ومفكريها، يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه «فقه الأولويات»: «ومما يجب لفت الأنظار إليه في مجال الإصلاح: تقديم كل ما يتعلق بتقويم الفكر وتصحيح التصور وتصويب منهج النظر والعمل، فهذا لا ريب هو الأساس المكين لكل إصلاح يرتجى؛ إذ من غير المعقول أن يستقيم العمل على منهج سليم والفكر غير مستقيم».

وامتدادًا لهذا الفهم الصحيح والسلوك القويم ينبغي على جماعة الإخوان المسلمين في الوقت الحاضر أن تراجع فكرتها وبرامجها؛ لتزيل ما عساه أن يكون قد علق بها من شوائب الفهم والممارسة. تقوم بذلك الجهد مؤسسة الجماعة كهيئة عاملة، ويقوم به أبناؤها، وأنصارها الذين لا ينتمون لها تنظيميًّا فرادى ومجموعات، ذلك أن دعوة الإخوان المسلمين ملك للأمة بأسرها وليس لأفرادها المنتمين إليها تنظيميًّا فحسب.

وهذا ما أسس له البنا في رسالة «المؤتمر الخامس» ١٩٣٩: «ولا بأس أن يتقدم إلينا من وصلته هذه الدعوة ومن سمع وقرأ هذا البيان برأيه في غايتنا ووسيلتنا وخطواتنا، فنأخذ الصالح من رأيه، وننزل على الحق من مشورته، فإن الدين النصيحة؛ لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم».

من هذا المنطلق واستشعارًا للواجب أقدم هذه السلسلة المتتابعة من المقالات تحت عنوان «للإخوان أقول»، وهي نظرة في واقع الإخوان المسلمين فهمًا وممارسة، أوجهها إلى من يهمه الأمر داخل جماعة الإخوان المسلمين قيادة وأفرادًا، آثرت أن تكون عبر وسائط إعلامية متاحة للكافة؛ لإيماني أن التجديد في الفهم والتطبيق لا يتأتى إلا بالحوار المثمر حول هذه القضايا الملحة وصولًا إلى تشكّل عقل جمعي ينتهي بنا إلى الغاية المنشودة.

ولست معنيًّا في هذا الطرح بهؤلاء المتربصين بالإخوان المسلمين الذين يناصبونهم العداء ويتمنون أن لو خلت الدنيا منهم؛ فما لهذا أكتب ولا هؤلاء أخاطب.

«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت».

ولست معنيًّا كذلك بهؤلاء الذين يهتمون بالأشخاص دون المضمون، فيُعلون قولًا يصدر ممن يحبون ويعرفون، ويسفهون قولًا يصدر ممن يكرهون أو يجهلون، فلست أكترث لمن يشخصن الأمور بعيدًا عن المضمون، إنما أتوجه بخطابي إلى «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» أي أحسن القول بصرف النظر عن قائله.

وما قولي سوى مقترحات تحتاج إلى من يؤيد صوابها، ويكمل نقصها، ويصوب خطأها.

وللحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

للإخوان
عرض التعليقات
تحميل المزيد