في ذكرى وفاتك، أكتب إليك وأدعو الله من قلبي أن يمنحك عينًا بصيرة من مرقدك هناك، عينًا تبصر بها هذه الكلمات المحملة بأرواح تألمت وقاست طوال حقبتك البائسة شديدة السواد.

أعتذر أيها الراحل، أو دعني أكن صريحًا، لا أعتذر بتاتًا، لأني جردتك من لقبك الممنوح دونما استحقاق، المجاهد الأكبر، فأي جهاد هذا الذي يحارب فيه الدين فتغلق المساجد وتحجر حلقات العلم ؟ وأي نضال ذاك الذي يداس فيه على رقاب الفقراء ليعلو على جثثهم كعب المترفين من أتباعك وزبانيتك وعبيدك.

أي جهاد يا هذا، تباع فيه ثروات البلد لمن حكمنا بالحديد والنار، واستعمر أرضنا واغتصب نساءنا، وألقى بالأشداء من رجالنا في غياهب السجون، فمنهم من قضى نحبه تحت الجلد والتعذيب، ومنهم من انتظر الموت، ولم يخيبه فجاءه ولو بعد حين.

أيها المتوفى منذ 17 عامًا، دعنا نكذب خبر وفاتك، فلنقل إنه إشاعة ! هاه اتفقنا؟

ولنفترض أنك في نهاية الرحلة! عجوز لا حول ولا قوة، لا سلطة لك على شيء، حتى مسالكك البولية لم تعد تأتمر بإمرتك، لا يهم، المهم أنك تسمع وتعي، ولو قليلًا، سآتي وأجلس حذوك بهدوء وأدب، ليس خوفًا ، لكنك ضعيف، وأنا أخشى أن يكتب غدًا على أعمدة الصحف «شاب في العشرينات يعتدي بالعنف على -ما تبقى- من محرر الوطن».

أواصل..

سأجلس، وبهدوء مصطنع سأسألك عن دم اليوسفيين فهل ستجيب؟ دعنا من بترولنا وملحنا وفسفاطنا ولنتحدث عن الأرواح التي قتلت والدماء التي سفكت وسالت أنهارًا؛ لتروي عطش الأرض للمجد والحرية، سأكتفي بتذكيرك بمن قضى على المقاتلين الأسود، بمن خان زعماء الوطن حقًّا، أسياد الراية وأصحاب الشهادة بإذن الله، مجاهدينا الأبرار، أجدادنا من الفلاڨة الذين سطروا لنا طريقًا نحو الحرية قطعته أنت بعتادك من السلاح والقوة الممنوحة من فرنسا.

أتعلم شيئًا يا فلان؟ لقد مات أجدادنا، وستموت أنت لا محالة، فهل فكرت يومًا أن جيلًا سيأتي ليفضح عارك! هل ظننت أنك بتزييفك التاريخ ستبني لنفسك مجدًا، وأننا سنسير في دربك كأنعام لها بصر وما لها بصيرة؟

ما هذا البؤس يا هذا! ألا تقوم لتدافع عن نفسك! ما أنا إلا شاب لا سلاح له ولا حول ولا قوة، فقط قلب نبض حبًّا للوطن زاده الله رباطة جأش وبأس.

ألم تكن كفرعون تصول وتجول؟ أين سلاحك وسلطك! ها قد فنت، وأنت فان يا فلان، فكيف حالك هناك في وحدتك، حيث يلفك الظلام ، فلا قرآن ينير المكان ولا عمل صالح يؤنس وحشتك، لن أكون سيئًا معك، وسأدعو لك عساها تكون ساعة استجابة، ففي النهاية أعترف أنك «رمز» لمن لا رمز له في هذا الوطن، أنت رمز لكل خائن لم يجد قدوة في الخيانة، سيد لكل العملاء في هذا البلد، ومنارة يهتدي بها الصبايحية من بني جلدتنا، سأدعو الله من قلبي، أن يجازيك على قدر عملك، وأن يسكنك مسكنًا يليق بمسيرتك الدامية، وأن يجمعك بفرعون وهامان وطغاة العالم وكل الأزمان، لن أطنب في الدعاء، يكفيك دعوات بقدر حصى الأرض ونجوم السماء، وسنلتقي عنده تعالى، وأدعوه ألا يطول بنا لقاء، وأن يباعد بيننا أضعاف ما بين الأرض والسماء.

أتعلم أيها المتوفى، سأكرس ما تبقى من حياتي لمعاداتك أنت وكل من اقتدى بك وتبعك وسار على خطاك، سأستغل كل مناسبة لأحدث العالم عنكم يا من تساقون من خلف البحار، سأتحدث عن جرائمك في المقاهي والساحات، في مقاعد الدراسة، وفي ملاعب الكرة، وفي كل الجلسات، تخيل يا هذا! أني قد أقطع لحظة غزل بعيني حبيبتي السمراء لأحدثها عن ماضيك شديد السواد، ستكرهك هي الأخرى لا محالة، سنتزوج وننجب طفلين: بنتًا وولدًا، فأما البنت فإنها ستضحك مستهزئة بكل ما قيل لها من أن بورقيبة حررها ومنحها حقًّا سلبه منها إسلامنا، وبناتنا لا ترى في غير الإسلام عزًّا !

أما الولد، فإني سأدله على طريق الحرية والنضال، طريق لم أسلك فيه غير خطوات قليلة، سيعود وقد فقد صوته في إحدى الساحات، وربما ناله نصيب من الضرب والكدمات؛ بل إني سأفتخر به كثيرًا إن لم يعد ذات يوم، سيشرفني أن أنجب بطلًا يفنى ليرفع راية وطنه عالية ويسقط بيده الجريحة الدامية راية الديكتاتورية والطغيان.

سنعيش هكذا، أحرارًا لا نذل ولا نهان، نرى في ديننا عزنا ونرى في وطننا خير مكان.

في النهاية، أتمنى أن نستكمل الحوار في مكانٍ غير هذا المكان، وزمان غير هذا الزمان، هناك حيث تؤخذ الحقوق ويستوي حال كل إنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد