كثير من الشباب يُكوّنون صورًا خاطئة عن التخصصات الجامعية، أو مجالات الحياة، بناء على شخص قريب ناجح، أو شخصية تلفزيونية آسرة، أو من خلال ظواهر صوتية لا تُعطي الموضوع حقّه. ويورّطون أنفسهم في طريق طويل لا يُحبّونه ولا يرغبون فيه، ثم يكتشفون بعد سنوات عديدة، وبعد أن تُثقلهم المسؤوليات اجتماعيًّا، واقتصاديًّا أنّهم يسيرون في طريق لا يحبونه، حينذاك لن ينفع الندم، وفي كثير من الأحيان لا يمتلكون الفرصة لتغيير اتجاهات الحياة، لذلك من الجيد أن يُفكّر الشباب بشكل دقيق الآن في مستقبلهم قبل أن يفوت الأوان.

سأذكر مثالًا: كنت في مرة أدّرب مجموعة من الشباب الواعد حول مهارات اختيار التخصص وتحديد مجالات الحياة، بعد أن انتهت الدورة أتاني شاب ليستشيرني في التخصص الذي قرّر أن يدرسه في الجامعة.

قلت له ما التخصص الذي تُريد خوض غماره؟ قال لي بكل ثقة: الإدارة. ابتسمت، قلت له: جميل يا سيدي، لماذا؟ هنا توقّف الشباب هنيهة ثم قال لي: أريد أن أكون مثلك.

رغم أنّ هذا أشعرني ببعض السرور الداخلي، لكنّني قلت له: ما الذي جعلك تتطلع إلى أن تكون مثلي؟ قال: أعجبتني محاضرتك حول اختيار التخصص وأقنعني كلامك، أريد أن أكلّم الناس بالطريقة نفسها، وأحاورهم بالموضوع نفسه.

قلت له: لكن يا صديقي هذا ليس له علاقة بتخصص الإدارة، هل تعرف ما الإدارة حقًّا؟، ثم بدأت أحدّثه عن مفهوم الإدارة، وأهم العمليات والوظائف المشهورة في علم الإدارة.

الشاب فتح عينيه وأرخى شفتيه ثم قال لي: لا لا ليست هذه هي الإدارة التي أريد، قلت له أرأيت؟ لا تحكم على الأشياء دون التعرّف إلى ماهيتها حقًّا.

قد تلتقي طبيبًا متكلمًا وناجحًا ثريًّا ومعروفًا، أو مهندسًا صاحب مشاريع وشهرة عالمية، أو داعية صاحب مؤلفات وبرامج تلفزيونية، أو سياسيًّا محبوبًا من جماهيره وشعبه. فتودّ لو أنّك كنت هؤلاء كلّهم.

فماذا تُريد أن تُصبح حقًّا؟ ما الرغبة التي تحكّ فؤادك، وتغلي في صدرك، وتجعلك لا تنام الليل قلقًا وتفكيرًا؟ ما القدرات التي تملكها حقًّا لتجعلك أقرب من تحقيق أحلامك؟ ما الأشياء التي إذا فعلتها لا تشعر بالوقت، ولا التعب، ولا الجهد، بل تمر الساعات الطويلة وأنت مستمتع ومنهمك في فعلها؟ ما الأشياء التي تود الحديث عنها طويلًا وتملك عنها الكثير من المعلومات؟ ما الأمور التي تُحب أن تقرأ عنها وتشاهد فيديوهات اليوتيوب عنها دون كلل ولا ملل؟

هذه الأشياء جميعًا مُمكن أن تُطلق عليها: الرغبة.

نصيحة لكل شاب مقبل على اختيار التخصص الجامعي ومجال حياته ومستقبله:

1- أرجوك فكّر جيدًا قبل أن تتعجّل في اختيار تخصص ما، ثم تأخذك الدنيا فلا تستطيع الرجوع. استخر واستشر.

2- أتمنى منك أن تختار التخصص الذي تُريده أنت، رغبتك أنت، ما يلائمك أنت، لا تفكر كثيرًا بمن حولك، قلت كثيرًا: لأنّه ينبغي لكل عاقل أن يقرأ الواقع من حوله، وأن يكون منطقيًّا ومرنًا وواقعيًّا، لكن لا يُغلّب رغبات الآخرين على رغباته، في النهاية هذه حياتك أنت ومستقبلك أنت.

3- استعن بالله، فهو خير مُعين، اسأله دومًا أن يدلّك على القرار الأصوب والأفضل لك ولعائلتك ولأمّتك.

4- اسأل الله تعالى أن يُعينك على اجتياز كل ما تمرّ به نحو الأفضل والأرقى، لتكون مع إخوانك مصباحًا مُضيئًا من مصابيح النجاح والفلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات