في خضم الانتخابات الأخيرة في بلادنا، وما رافقها من بهرجة؛ فثمة قواعد شرعية تعصم من يتمسك بها من الهلكة، أو تضييع مقدرات الأمة، أو الوقوف في الصف الخطأ في مواقف ضاغطة، سواء في وقت الانتخابات أم بعدها، بل في المواقف العامة على وجه العموم.

ومن أهم القواعد في هذا:

قاعدة التسبب في الخير أو الشر

وهي تقتضي أن اختيار الإنسان لصاحب رايةٍ أو اتجاه؛ يُعدّ اختيارًا لكل ما يفعله، وقصْدًا له، سواء علم التفاصيل أم لم يعلمها، ولا يُشترط أن يفعلها بنفسه، ولا عذر له إن لم يفعلها بنفسه.

والإنسان بحسب اختياره؛ فقد يختار مقيمًا للشرع مُصلحًا، وقد يختار مبدلًا للشرائع مفسدًا.

وقد أوضح هذه القاعدة بأسلوبه الفريد الإمامُ الشاطبي؛ إذ يقول إن:

«إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبَب، قصد ذلك المسبَب أوْ لا؛ لأنه لما جُعل مُسبَبًا عنه في مجرى العادات؛ عُدَّ كأنه فاعل له مباشرة»، «فكذلك الأفعال التي تتسبب عن كسبنا منسوبة إلينا، وإن لم تكن من كسْبنا». وأدلته في الشرع كثيرة كقول الله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ…» إلى قوله: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» (المائدة: 32). وفي الحديث: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل»، وفيه: «من سن سنة حسنة؛ كان له أجرها وأجر من عمل بها»، وكذلك: «من سن سنة سيئة» وكذلك الزرع، والعالِم يبث العلم؛ فيكون له أجر كل من انتفع به»، «فالداخل في السبب إنما يدخل فيه مقتضيا لمسببه…». الموافقات (1/335- 338) باختصار

فمن أيّد مقيمًا للشرع أو ساعيًا إلى ذلك؛ فقد قصد لكل ما يُنتج من الخير مثابًا على ذلك، ومن أيّد محارِبًا للشرع، مانعًا من إقامته، متتبعًا لأهله قتلًا وأسْرًا وتضييقًا وتشريدًا؛ فقد قصد لكل الشرور التي يفعلها مأزورًا على ذلك.

ومن أيد مُصلحًا كان قاصدًا كل ما يفعله من الصلاح، ويثاب على ما فعله، ومن أيد مفسدًا كان قاصدًا كل ما يفعله من المفاسد ويؤزَر على ذلك.

أما من ظاهَر وأيد وأعان ودعا الناس إلى ذلك، كان تسببه أقوى، وكان أوْلى بالأجر أو الوِزر؛ لأنه مغرِق في الأمر عريق فيه.

وكذا من أيد مقاومًا للباطل وللصهاينة وسيطرتهم، كان له أجر ما وراء ذلك، ومن أيَّد شخصًا أو سلطة أو مؤسسات تنبطح للعدو الصهيوني، ولقوى الغرب عمومًا، في عداء الأمة ومصالحها وجغرافيتها، وتتآمر معها لتغيير المنطقة وديمغرافيتها -كما يخطط الآن- وترسيخ ضياع القدس وغيره؛ فهذا يعد فاعلًا لما فعله الأول بكل تفاصيل ما يفعل، وإن لم يكن هو الفاعل بنفسه، فإنه لما تسبب برأيه وقوله في هذا صار فاعلا لكل ما نتج.

وإن استمرت الأجيال المتتالية تعاني من فساد أو ضياعِ مقدّرات، أو تغييرٍ قيمي وخُلُقي، وفسادٍ لنظام تعليمٍ معادٍ للإسلام، يحذف آيات الله وسيرة نبيه الكريم، ومجهِلًا لقيم الإسلام ومشوِهًا للتاريخ، فما يزال المتسِبب الأول الراضي بما كان، فاعلًا كل النواتج محسوبًا عليه وزرها، ولو لم يفعل بنفسه؛ إذ تسبب في إقامة  من يقوم بهذه المفاسد العظام وتمكينه. أو محسوبًا له أجرها لو أيد من كان مع الأمة وفي خندقها وهويتها ودينها.

قاعدة الرضا بالخير أو الشر.. ولو لم يفعله

ويوضحها حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» رواه أبو داود.

فإذا خوطب الإنسان بأن أحدًا قد خان، أو قتل، أو سفك، أو سجن، أو سرق، أو غير ذلك من الجرائم؛ فرضي ذلك منه وعظّمه وأيّده، لأي اعتبارات جانبية، أو بغضًا في فصيل بعينه، أو حسدًا لشخص، أو طمعًا في شهوة عابرة، أو شهرة، أو غيره؛ فهذا يعد فاعلًا، وإن باشر الفعلَ غيرُه؛ لأنه لم يكره ويبرأ مما أمر الله بكرهه والبراءة منه؛ فالقاعدة الشرعية أنه لا بد أن يعرف قلب كل مسلم المعروفَ ويحبه، وأن ينكر قلبه المنكر ويكرهه ويبرأ منه «فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ»، وقال الله تعالى على لسان لوط -عليه السلام- «إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ» يعني: الكارهين.

ومن بلغه صلاح إنسان إو إصلاحه وإقامته الدين فرضي ذلك كان كمن شارك فيه.

توهُّم المصلحة لا يُغني عن صاحبها

فمن يقف مع الباطل الصريح، وتبديل الشرائع، ومعاداة العقيدة، والاستهزاء بها، والطعن فيها، وتشويه رموزها، وتشويه من يدعو إلى التزام الحياة بها متحججًا بمصالح يحققها، في مقابل مفاسد كبيرة تتصل بالدين وبحرية أمة ومقدراتها، ومستقبل أبنائها وقادم أجيالها؛ فهي مصالح متوهَّمة ومظنونة، وإن رآها مصلحة فهي ملغاة، وغير معتبرة شرعَا؛ فالمصالح المعتبرة شرعًا هي «التي نص الشرع على اعتبارها وقبولها، أو حث على تحصيلها ورعايتها»، وكما عرف الرازي المصالح المعتبَرة بأنها تلك «التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، ونسلهم، وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها» المحصول، للرازي،  ج2 صـ 220

أما ما يناقض حفظ هذا الدين وإقامته، فهي مصالح مظنونة ومهدرة شرعًا، وقد ذكر تعالى عن المنافقين ادعاء مصلحة متوهَّمة بولاء الكافرين سرًّا؛ فنزل «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ»، ولما توهموا مصلحة في التوسط والتذبذب بين شريعة الله وشريعة غيره، أبطل الله تعالى هذا وقال «فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» الآيات ثم نفى عنهم الإيمان حتى يحققوا المصلحة الكبرى، وهي إقامة الدين والاحتكام لشريعة الله في كل شأن.

سقوط الحـيَل

قال الإمام أحمد «نحن لا نرى الحيلة» أعلام الموقعين لابن القيم، ج3 صـ 138، وذكرها ابن تيمية عنه كثيرًا، وكذا غيرهما من الأئمة.

ومقصود الإمام أحمد أن الحيلة لا تغير الحكم على حقيقة الأشياء.

وتطبيق هذا على المواقف المعاصرة أن من كان كارهًا لإقامة الشريعة ولأحكامها، يخشى أن تحكم الحياة وفق منهج الله تعالى؛ فتَخفّى خلف كراهته لفصيل معين أو اسم معين، أو تحجج بانحرافات أو أخطاء لجماعة أو حزب أو أشخاص، فظاهَر وأيد العلمانيين؛ فهذا لا يعد عذرًا له؛ فهذا الاحتيال والتخفي خلف تلك الاحتجاجات لا يستر صاحبه؛ فيجب التفريق بين المبدأ وبين التفاصيل مع الأشخاص أو الجماعات أو المؤسسات.

يَضعُف العذر كلما زادت المعرفة

فكلما قويت الشبهة عند البسطاء من الناس، ومن عُميت عليهم الحقائق وخُدعوا، كان الجُرم أقل، لاعتبارات عوارض الأهلية وعدم العلم بحقيقة الحال؛ لأنهم تابعوا على ما يظنونه لا على الحقيقة، فقد يشكّل هذا عُذرًا ما.

وأما من كان في مطبخ التآمر وقريبًا من أهل الباطل، ويقسَّم له دوره فيقوم به، فذلك أعرق في الانغماس والمشاركة.

ومن كانت له ثقافة يعلم بها حقيقة الصراع، وأنه صراع على رايةٍ وهوية، وشريعةٍ وتوجّه، وانتماءٍ وتنمية، وحريةٍ أو استبداد؛ فالعذر في حقه منتفٍ إذ اختار عن بينة ووضوح.

إن الأزمات لن تدوم بإذن الله، و«سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا»، والله تعالى من صفته أنه «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ»، صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد