من نواميس الكون وسننه المتكررة نزول الابتلاء ووقوع المصائب، ومشاهدة الألم بمظاهر متفاوتة. وعلى الرغم من أن جيلنا أكثر من البكاء والعويل أمام كل ابتلاء، إلا أن هذا لا يغير شيئا من حقيقة كون الابتلاء أمرًا طبيعيًا كما يخبرنا تاريخ الدنيا وواقع الحياة.

وفي مواجهة الابتلاء نجد ردود الفعل شديدة التفاوت، على الرغم من أن الناس متشابهون ظاهريًا، لكن في الابتلاء يظهر أناس جدد ربما لم نعرفهم من قبل، فمنهم من يزيده الابتلاء، وهنا بعد أن كان قوله قويًا عازمًا، ومنهم من يزيده الابتلاء عزمًا وقوة، ومنهم الذي يُسيِّره الابتلاء حيثما شاء كأنه قدرٌ نافذ لا مرد له.

لكن الأمور الشاقة والمنغصات هي أحد طرفي الابتلاء، وفي الابتلاء جانب آخر يهملونه في حديثهم هو الابتلاء بالخير والنعم، قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا تُرجعون)، فربط الابتلاء كله بالمنغصات والمشاكل أمر لا أصل له، ولو افترضنا جدلًا أن الابتلاء قدر نافذ ألا يسعنا أن نعتبر مقاومة الابتلاء ودفعه قدرًا نافذًا أيضًا؟ فما هو المعيار الذي نعرف منه إن كان هذا الابتلاء قدرًا نافذًا أو قدرًا يمكن دفعه بقدر آخر؟

لولا المحن لشككت في الطريق

مقولة نسبت إلى أكثر من واحد من السلف، يقولها الآن كل من اشتد عليه الألم، فتريحه وتشعره بمحبة الله له، وبأنه على درب الصالحين سائر ولأعمالهم متبع. فالابتلاء – في نظرهم – نعمة يجب أن يفرح بها المؤمن.

فما هو الابتلاء في نظرهم؟

هو المشاكل والمنغصات والمصاعب، التي هي في معظمها ناتجة لأسباب ذاتية جوانية (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم)، (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وبدلًا عن اكتشاف الأسباب الذاتية وتعديلها والعمل على إنهاء وجودها، فنحن نحمد الله على أن ابتلانا، ثم نتمسك بذاتيتنا كما هي بلا تعديل أو تبديل أو إحساس بأن هناك خطأ من عند أنفسنا، ولا نجرب أن نلوم نفوسنا فلعل البلاء نزل بنا بسبب خطأ ما، بل ربما نزداد تمسكا بالخطأ وبعيوب أنفسنا؛ لأننا على الطريق الصحيح والدرب القويم.

وقد عرّف اللغويون الابتلاء فقالوا: بلي الثوب أي خلق الثوب (أصبح قديمًا).

وبلوت فلانًا أي امتحنته واختبرته، فعرفته على حقيقته.

فيظهر أن الابتلاء اختبار متكرر شديد الوطء، يظهر أمورًا ربما خفيت بادئ الأمر، تمامًا كما تظهر حقيقة أخلاق الشخص في التعاملات المالية أو في السفر.

ففي هذه الحال تكون الضغوط شديدة، فتزول العوامل الخارجية والأقنعة البراقة والمظاهر الخادعة، ثم تبقى الحقيقة ناصعة والجوهر واضحًا لا يخفى على أحد.

فالناس شديدو التفاوت في مقدار تحملهم للمنغصات في سبيل ما يريدون، وفي مدى تشبث أناملهم بما تقوله أفواههم، فيأتي الابتلاء – بالخير والشر- ليميز المجموع الذي يبدو متشابها، ويظهر من أراد هذا الأمر صدقًا ممن أراد لمجرد التقليد، من عزم حقًا ومن كان عزمه وهنًا ضعيفًا، وينقسمون أثناء تلك العواصف في النهاية إلى شخص قوي وشخص ضعيف ومتذبذب بينهما. واختلافهم الظاهري ناتج عن تفاوت عميق في هممهم وعزائمهم، ومقدار استعدادهم.

ناتج عن عوامل جوانية (داخلية) بحتة.

ما أود قوله أن مجرد وقوع الابتلاء ليس علامة لأي شيء كما نظن، بل قد يبلو الله قومًا لأنهم فاسقون، قال الله عن بني إسرائيل: (كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون).

فوقوع الابتلاء أمر طبيعي، يحدث للمسلم وغير المسلم، للطالح والصالح، للطيب والخبيث، يحدث للجميع، لكن بدرجات متفاوتة، والعلامة الوحيدة هي رد فعلنا أمام الابتلاء، وفعلنا هو الذين يحدد إن كنا على الطريق المستقيم أم تائهين في غياهب الظلمات.

فرب العزة يبتلينا في الأصل ليرى ما نصنع أمام هذا الابتلاء، لا لنكون – كما هو الحال – مستسلمين للواقع الأليم، بعيدين كل البعد عن صناعته والتأثير فيه، فخورين بالمصائب التي تنزل بنا لأنها علامة الصالحين!

وقد ذكر القرآن في حوار موسى مع قومه قول موسى: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون).

فالاستخلاف في الأرض وحكمها كلها والسيطرة عليها، والذي هو حلم أكثر الإسلاميين اليوم، يظهر من الآية أنه (ابتلاء) لبني إسرائيل ليرى الله صنيعهم في هذه النعمة، ابتلاء قد يكون أشد وطأً من الابتلاء بالشر والمصاعب!

كما يذكر علماء الاجتماع أن توافر التحديات والصعوبات التي تستفز المجتمع لتحديها وتجاوزها هو أكبر محركات النهضة والعمل، وأن المجتمعات التي تكون بلا تحديات غالبًا ما تظل مكانها لا تبرح ولا تتقدم.

فمن أراد أن يسير في كون الله، فليعرف أمر الله ويفهم عنه جيدًا، بدلًا عن حشو الأدمغة بشعارات هلامية تسكن القوى وتخدر العقول.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طريق
عرض التعليقات