ما أود ـ إذن ـ أن أخبركِ به في هذا المقال هو وصف طبيعة تفكيرالرجل في المرأة عندما ينظر إلى جسدها في الطريق العام أو في احتفال ما، أو في الجامعة أو العمل؛ لتعلمي كيف يُقَدِّركِ ذلك الرجل، وما عليكِ أن تقومي به تجاه نفسكِ وتجاهه «إن أمكن»؛ حتى لا تقعي في مشكلات كبيرة فيما بعد.

لستِ «مانيكان»

يقول الكثير من الرجال «كله بيبص»، أي أن كل الرجال ينظرون إلى أجساد النساء، وأن كل فتاة أو امرأة تقريبًا قد تم النظر إليها. وإذا سألت النساء عن ذلك، قُلن ببساطة «قلة أدب»، أي أن هذا الفعل الشائع يدل على تدني أخلاق صاحبه. وما يجعل العديد منا لا يسعى لمقاومة ذلك، هو أن الفتاة التي يُنظر إليها لا تؤذى من تلك النظرة إيذاءً بدنيًا، مثل «المانيكان» التي يغطيها صاحب المحل بفستان جديد، ويضعها خلف الزجاج، فالكل ينظر إليها دون أن يلمس الزجاج، اللهم باستثناء بعض الحالات، والتي فيها يكسر اللصوص الزجاج؛ ليسرقوا الفستان، إلا أنكِ لست مانيكان، ولستِ للعرض، حتى ولو لم يلمسك أحد. إنه دور لا ينبغي أن تقومي به، لماذا؟ لأن تلك النظرة العابرة تمثل عملية معقدة في رأس الرجل، وأظن أنه يجب أن تعرفي تلك العملية جيدًا.

بدءً، لاشك أن تلك النظرة التي تتسلط على أي مكان في جسدك، هي نظرة شهوانية منشؤها الشهوة، والشهوة هي رغبة طاحنة في الوصول إلى شيء، وليست مجرد إبداء إعجاب بجمال هذا الشيء، فعندما أنظر إلى قطعة من اللحم تشوى حول سيخ فوق الفحم، فإن عقلي لن يفكر في روعة الحاتي ومهارته في صنعته، بل إني أرغب في التهام اللحم وتجاوز الموانع التي تعترض طريقي، وإذا رأيتِ وليمة من «الديك الرومي» فوق سفرة طعام، فإن عينيكِ لن تنصرف عنها إلى نوعية الأطباق أو أشكال الملاعق فوق السفرة، بل سيصبح الديك الرومي لديكِ هو المعشوق الذي لا يُبتغى سواه.

كذلك الذي ينظر إلى ذراع فتاة أو رقبتها، فإنه أبدًا ليس مُتيَّمًا بجمالها، ولكنه يطلب هذا الشيء الذي وقعت عليه عيناه، ويتمنى بدرجة ما الوصول إليه، وأحيانًا تتحول الأمنية إلى سعي.

وبالرغم من أن كل نظرة إلى جسد المرأة، وأحيانًا وجهها، تعني هذا التفسير في رأيي، إلا أن هذه النظرة تختلف بين شخص وآخر. وسنذكر خمسة أنواع من النظرات التي قد تقع عليكِ؛ لتعرفيها.

النوع الأول

النظرة التي يعتبرها صاحبها ذنبًا كبيرًا، فلا يفعلها إلا خلال فترات طويلة قد تمتد لشهور، حيث يلازم صاحبها مبادئ أخلاقية ودينية تدفعه باستمرار للامتناع عن فعل ذلك، وكذلك للندم الطويل على فعل ذلك. ومن أبرز تلك المبادئ الأخلاقية مبدأ «افعل ما شئت، كما تدين تدان»، فإن تلك المتعة التي ستشعر بها للحظات عند النظر لأية فتاة، سترتد إلى بيتك، وستضرب أهلك بنفس الأحاسيس والأفكار التي وردت في مُخيلتك. أو تذكر أن «الله يراك»، وعين الله أعظم من عيون البشر وكاميراتهم التي تضطر أن تتجمل أمامها لتبدو بصورة جيدة أمام الآخرين.

النوع الثاني

هو أعلى درجة قليلًا من النوع الأول، حيث ينجذب الرجل إلى مثير أمامه لثواني، يظن أنه مجبر على الانسياق وراء هذا المثير، فينظر إليه لثواني، ثم ينساه، مثل الذي يلتفت لصوت صافرة أو ضوء قوي. وهذا النوع يستخدم بصره فقط، ولا يتجاوز الأمر إلى خياله، فهو لا يحرص على إمداد خياله بمواد واقعية قد رآها من قبل، ولكنه إن لم يتلزم بمبدأ أخلاقي، فإنه يتحول مع مرور الوقت إلى النوع الثالث.

النوع الثالث

وهو أكثر خطورة ودناءة من سابقيه، حيث لا تمر نظرته إلى المرأة مرور الكرام، ولكنه يستخدم تلك النظرات كصور يسعى لتثبيتها في عقله؛ ليثري بها خياله الجنسي، الذي يتمنى صاحبه أن يلمس شيئًا من الواقع، فلا يرضى بالمشاهد والصور الجنسية المنتشرة على الإنترنت، بل يتعمد جمع صور واقعية بعينيه وذاكرته من الشارع أو الأماكن العامة، مثل الذين يجمعون أشكال «البوكيمون» بهواتفهم الذكية، ثم يحفظ تلك الصور في خياله؛ ليستحضرها على شكل حكايات جنسية وقت الحاجة، وتكون البطلة في هذه الحكايات هي الفتاة التي نظر إليها. وصاحب هذا الخيال يحتاج إلى مادة دسمة واضحة التفاصيل؛ لتساعده على إثراء خياله، وعلى إثارة شهوته، وتلك المادة القوية تحددها نوعية الملابس التي ترتديها الفتاة؛ فتفاصيل الجسد كلما كانت أكثر بروزًا، كلما كان حفظها واستحضارها قويًا في الخيال الجنسي. وقد تعرفين هذا الشخص من خلال إطالة نظرته إليكِ أو إلى غيرك، وكذلك كثرة نظرته للنساء في محيط المكان المتواجد فيه. وإذا نظر إليكِ كثيرًا، فقد تقومين بحركة لا إرادية، وهي شد أطراف الملابس لأسفل، وإذا قمت بذلك ففيه دلالة على رغبتك في الاحتماء في ملابسك «التي ترتدينها» من نظراته، وهذا دليل على أنها ليست بنوعية الملابس التي يُحتمى فيها.

النوع الرابع «جنود الشر المجهولين»

ليس من الصواب أن نضع قاعدة، بأن كل فتاة ترتدي ملابس ضيقة، أو لا ترتدي حجابًا، أو لا تلتزم عمومًا بالملابس التي أقرت بها النصوص الدينية، أنها ليست ذات خُلق حسن، بالرغم من أن هناك من يتعمدن إثارة الرجال، ولكنها وإن كانت مصونة بحسن التربية والخُلق من الداخل، فليست «مصونة» من الخارج، وتلك الصفة التي كثيرًا ما تُطلق على الملتزمات، فتُرى من ماذا هن مصونات؟ أنواع أصحاب النظرات التي ذكرناها سابقًا لايقوم أصحابها بأي فعل بدني واقعي، بل الإبصار والتخيل فقط، أما أصحاب هذا النوع، فإنهم يستخدمون كاميرات هواتفهم؛ ليلتقطوا بها من الشارع صورًا حية لفتيات أو نساء يرون أنهن فرصة جيدة للتصوير، ولتداول الصور على مواقعهم الإلكترونية.

وهم يبحثون عن صفات نابعة من إظهار المناطق الأكثر إثارة في المرأة، والتي تتوافر عندما ترتدي فتاة «بنطلون» ضيقًا، يظهر بروز الأرداف «عفوًا»، وحتى لو ارتدت «بلوزة» طويلة، فإنهم يركزون على بروز الفخذ في مواضع معينة «عند الجلوس مثلًا». كما يركزون على بروز الصدر والذراعين. ولاحظي أنني ذكرت «بروز» أجزاء في الجسم لا ظهورها، فهم لا يهتمون بالجسد العاري فقط، ولكنهم يهتمون بالجسد البادية ملامحه، والذي معه لا يعد حجاب الرأس ذا جدوى «كما في صورة التويتة التالية»، وفي حالات قليلة يركزون على الوجه الجميل، ولو كانت صاحبته محتمشة.

وبعد أن يلتقطوا الصور، يقومون بنشرها في مواقع وصفحات إباحية؛ حتى يتفاعل معها المرضى والمراهقون بقول كلام جنسي وقح، ينم عن رغبة في القيام به، ولكنها تُكبت مؤقتًا في شكل أفعال سرية. وإليك صورتين من تلك المواقع:



وقد تعرفين أصحاب هذا النوع كما في صورة الفتيات اللاتي رأين شابًا يقوم بتصويرهن في عربة المترو، فإذا لاحظت أن أحدهم قام بتصويرك، فإن استطعتِ أن تفحصي هاتفه بمساعدة أحد من الرجال حولك فافعلي، وإلا فاعلمي أنكِ ينطبق عليك الصفات التي يحبونها، وغيري من نمط ملابسك فورًا.

النوع الخامس

وهو الذي ييأس من خياله، ولا يكتفي به، كما ييأس من تلك الصور التي يراها في تلك المواقع، ولكنها تكون قد شغلت حيزًا كبيرًا في عقله، خاصةً مع الكلام البذيء المثير لشهوته الذي يرافق تلك الصور كما رأيتِ، فينزل إلى الشارع باحثًا عن فتاة أو امرأة تشبه اللاتي كان يراهن باستمرار في الخفاء، لذا ينزل إلى أرض الواقع حيث الشارع أو المواصلات العامة؛ ليقوم بالتحرش بتلك الفتيات أو النساء.

وأحيانًا يقوم بفعله هذا كعقاب لتلك الفتيات اللاتي أثرن شهوته وتسببن في عذابه. وقد يربط فعله بمبررات أخلاقية، فيقول «إن تلك الفتيات يرتدين تلك الملابس رغبة في ذلك، فلن يمانعن إذن من لمس أجسادهن، وحتى لو تضايقن من ذلك، فإنه سيكون نوعًا من التدلل أو (التُقل)». إنه لا يفكر أبدًا في أنكِ مهتمة بأن تبدين «جميلة»، لكنك محترمة، أو لديك موعد هام مع صديقاتك، وليس مع رجلًا في سيارته المُعتمة، أو أن تلك هي ثقافتك في الملابس التي تربيتي عليها؛ وبالتالي لا تعرفين الكثير عن الملابس المحتشمة. إن هؤلاء يعيشون في مجتمعات خفية، لا يجدون فيها أية نصيحة أو نهي عن الحرام، وفي المقابل يبتعدون عن أهل النصح والإرشاد، فكيف تنتظرين أن يظنوا بكِ ظنًا حسنًا؟

وأظن أن هذا النوع قد يسهل الكشف عنه؛ لأن حركته في المكان تكون لافته للنظر، كما أنه كثيرًاما ينظر حوله بقلق؛ حتى يتأكد من أنه غير مراقب، ويتعمد استخدام جسده لملامسة النساء، والملامسات المقصودة تكثر عن واحدة، فإذا حدث ولامس أحدهم جسدك، فاحذري في المرة الأولى، وإن تكررت فغيري مكانك أو اطلبي المساعدة، ولا تنسي أن تراجعي نمط ملابسك أيضًا.

الاحتشام في النصوص الدينية

ولذلك نجد بعض النصوص الدينية تسعى لإحباط مساعي هؤلاء، فيأمر الله تعالى نساء النبي أمرًا ينفع كل النساء بقوله (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَ طْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي لا تتحدثن مع الغرباء بصوت لين؛ حتى لا يحرك صوتك اللين شهوته، أو يطمع في شيء مما يملأ خياله. وكذلك قال تعالى للنبي أن يبلغ النساء «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ»، أي يغطين بالخمار أو الحجاب منطقتي الرقبة والصدر، بحيث لا يبدو للصدر حجم أو بروز. وكثيرًا ما يفزع البعض من حديث النبي «أيما امرأة استعطرت فخرجت على قوم؛ ليجدوا ريحها فهي زانية»، فقال أهل الحديث: لا يقصد بالزنا في الحديث الزنا الحقيقي، ولكن زنا النظر من قبل الرجل، ووصفت به المرأة المتعطرة أيضًا؛ لأنها شجعته على ذلك. كما أن اللفظ جاء للترهيب، ولا يجوز إطلاق لفظ زانية عليها؛ لأنه قذف لها، ولا تنطبق عليها عقوبات الزنا.

والمغزى من الحديث هو إغلاق الباب بقوة أمام هؤلاء الذين يتحسسون أي شيء في المرأة قد يثير شهوتهم؛ ليفعلوا ما ذُكر سابقًا. إنه حكم لصون المرأة، لا لتقييدها، بدليل أن وضع المرأة للعطر أمام النساء جائز، ولا حُرمة فيه، فهل عرفتِ الفرق إذن؟

وثمة أمر مشابه نجده في اليهودية: حيث يقول «موسى بن ميمون»، أحد أهم الحاخامات اليهود، عن التي تُظهِر شعرها في الأماكن العامة «فمن تلك الأمور التي لو صنعت المرأة إحداها لخرجت عن ديانة موسى، لو أنها خرجت إلى السوق وشعر رأسها مكشوفًا». وفي المسيحية تجدين أن السيدة «مريم العذراء»، ليست فقط محجبة، ولكنها أيضًا ترتدي ثيابًا فضفاضًا لا يصف شيئًا من جسدها، وكذلك تستطيعين إيجاد ثوبًا بتلك المواصفات يتناسب مع عصرك. وقد ورد في الكتاب المقدس «وكذلك أن النساء يزيّنّ ذواتهنّ بلباس الحشمة مع ورع وتعقل لا بضفائر أو ذهب أو لآلىء أو ملابس كثيرة الثمن» 1 تيموثاوس 9:2.

عمومًا لا أظن أنكِ يجب أن تفزعي من تلك النصوص الدينية، فليس فيها ما يحرم المرأة من شيء، إنما يحرم الغرباء من الوصول إلى المرأة بأية طريقة قد لا تتوقعينها، فلا تتحدثي بصوت أنوثي بالغ الرقة، لكن تحدثي، ولا ترتدي ما يظهر مفاتن جسدك وتفاصيله، ولكن هذا لا يعني أن تقاطعي المجتمع خشية الأذى، بل ارتدي ما يحفظك، ثم انطلقي نحو تحقيق حلمك وإثبات ذاتك بين النساء والرجال.

وأخيرًا

نحن ننتفض بشكل واضح من أماكننا لنوفر للفتاة المحتشمة مكانًا آمن، أو نفسح لها الطريق لتعبر دون مضايقة، ولكننا أيضًا لا نعاقب الأقل احتشامًا بأن ندعها تعاني، ولكن للأمر أبعاد أخرى، فبالرغم من إثارة المشاهد العارية للشاب، إلا أن تعري شيء من الفتاة المحتشمة يستدعي تدخل الضمير لإحباط أي من الحالات المعقدة التي تحدثنا عنها، إنها تحاط بشيء من القداسة يحفظها من الوقوع في مشكلات كثيرة.

وعن توجه المقال، فأعلم أنكِ قد تلمستِ فيه نزعة «درويشية» تدعو إلى الحجاب بالمواصفات المنصوص عليها في الكتاب، والتي تشبه الدعوات التي تقرأينها على الحوائط ومقاعد الأتوبيسات، مثل عبارات «أختاه لم لا تتحجبي؟» أو «حجابك عنوانك» أو «سيستمر الغلاء إن لم تتحجب النساء». وبالرغم أن لهذه الدعوات أغراض أخلاقية، إلا أنها مبهمة، تقول لكِ «تحركي»، ولكن لا تخبركِ لماذا عليك أن تتحركي؟

إن المرأة كائن رقيق، تستحق أن تمتلئ خزينة ذكرياتها بالأشياء الجميلة، لذا نقول لكِ تحركي عن هذا المكان إلى هذا الاتجاه، حيث تبتعدين عن ذكرى أليمة قد يقع فيها امتداد يد أحد الأوغاد إلى جسدك، بل إن ارتداءك لثياب يخفي مفاتن جسدك يدفع الآخرين إلى البحث عن مفاتن عقلك ومشاعرك، فيكون ذلك الشخص الذي يبدي إعجابه بك من أجل ارتباط أو رغبة في الانضمام إلى العمل شخص صادق، فلم يغره جسدك، وإنما أغرَّته كنوز أخرى لديك؛ فسعى للتعرف على صاحبتها بنوايا طيبة.

إذن أنتِ لست مانيكان، ولا شكل بوكيمون، ولا بطلة في حكايات أصحاب خيالات مريضة، ولكنك امرأة رافقت الرجل في الخروج من الجنة، وقادرة على بنائها في الأرض معه.

وفي رسالة قصيرة جدًا للشاب أو الرجل «نستيطع أن نعرف كيف ينظر الآخرون إلى بناتنا ونسائنا، ونستطيع أيضًا أن ندرك ماذا يشعرون حينها، وماذا يفعلون بعدها، وذلك عن طريق نظراتنا وأفعالنا تجاه الآخرين، فالآخرون كالمرآة؛ إذا نظرت إليهم وجدت نفسك، وإذا حاولت تسليط ضوء على أعينهم آلمتك عينك أنت، لذا فافعل ماشئت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حواء
عرض التعليقات
تحميل المزيد