الإنسان معتادٌ على الشعور بالحياة التي لا يعرف بديلًا عنها إلا بالتصورات، برغم أنه الوحيد الذي يعي تمامًا أنه سيأتي عليه يومٌ يفنى ويموت؛ لأنه يرى كل الأنفس الحية يتساقطون أمواتًا وقتلى في كل لحظة، الواحد بعد الآخر، أو بالجملة عند الكوارث والنكبات.

كما يتناسى الإنسان هذا المنطق دائمًا ليكذب على نفسه ويقنعها أنه باقٍ في الحياة، وهي باقية فيه إلى ما لا نهاية، فيعيش مدركًا أنه سيموت، ولكنه لا يصدق ذلك إلا عندما يخبره طبيبٌ مختص بما يقنعه أخيرًا أن الساعة حانت، ليعي أنه ممن يموتون؛ لأن أخطر مهددٍ للحياة قد تمكن منه وتبرعم فيه، وهو الإرهابي الأول في العالم «السرطان».

والسرطان ليس مرضًا كبقية الأمراض، إنما هو حالة غير عادية من العبث والجنون والفوضى التي تحدث في خلايا عضو من الجسم لسبب من الأسباب، فتخرج عن نظام نموها المحدود والمبرمج أصلًا من الجسم نفسه، وتبدأ بالنمو على حسابها الخاص منفلتةً من أي قيودٍ جسمية؛ فتتزايد وتتكتل بلا توقف حتى تسيطر على العضو المستهدف بالقوة، وتلتهمه التهامًا، ثم يتسلل بعضها منتشرًا كما أفراد العصابات من عضو لآخر، ومن بعده إلى سواه، في عمليات تسلل وتسرطن لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة نفسها.

هذه الحالة هي عملية انتهاك وغزوة غير عادية لا يملكُ جسم الإنسان ما يواجهها به، إلا سلاح المكافحة التقليدية للأمراض العادية، وهي المضادات الحيوية؛ لذلك فعندما يرسل الجسم هذه المضادات فهو يخوض حربًا غير متكافئة تمامًا، كمواجهة جيش نظامي لمجموعات حرب عصابات، وعلى المريض هنا أن يمتلك العزيمة والإرادة، وسلاحًا مهمًا وهو الأمل.

الحياة مليئة بالدروس والعبر، وصاحب الشجاعة والإيمان وحده قادر على التحلي بالصبر، والتسلح بالمعنويات الإيجابية لتخطي المحن والأوقات الصعبة، التي يمكننا القول عنها إنها درجات متفاوتة، بحسب تقدير الشخص لها، ويعتبر السرطان من أخطر التهديدات التي تواجهها حياة المرء في هذا العصر، ولكن لكل أسلوبه في تحدي هذا المرض الذي يضع أمامنا خيارين: إما الاستسلام، وإما المقاومة، لهذا قررت في هذا المقال تسليط الضوء على بطلةٍ تحدت السرطان بعزيمتها وإرادتها، وكانت مثالًا للتحدي والإصرار وإرادة الحياة، واستطاعت هزيمة اليأس.

إنها الصحفية الفلسطينية «هاجر حرب»، التي وما إن أصابها ذلك اللعين حتى سارعت بكتابة منشورٍ على صفحتها الشخصية معلنةً التحدي، وتطلب الدعم وعدم الشفقة، كلامها أصابني بالذهول، كيف استطاعت أن تتمالك نفسها وتنتصر بهذه السرعة؟ نعم فهذا انتصار، لقد استقبلت المرض على طريقتها وبقلمها هي ستبدأ بالكتابة عنه، ولن يهزمها الإرهابي، تلك هي البداية الصحيحة في الشفاء، لقد تجاوزت مراحل من المرض في بدايتها، قرأت المنشور مرارًا، وقفت لها رغمًا عني وصفقت لتلك البطلة إنها حقًّا مثالٌ يحتذى به، لن أطيل الكلام عليها كثيرًا فقد اختصرت بحروفها كل شيء، رسالتي هنا إلى كل مرضى السرطان.

في نهاية المقال ومع هذه التجربة لبطلةٍ سطرت أجمل لوحات الإرادة والصمود، أرغب بتقديم نصيحة لمن يريدون مواجهة السرطان بشجاعة تفوق قوة الملاكمين، بحيث لا يشعر الإنسان بأي قلق حين يخبره طبيبه بإصابته بالمرض.

لكن الشجاعة أمام ملك الأمراض وبطل العلل بالذات ليست هينة على الإطلاق، فهو عنوان الموت وأيقونة الألم، والشجاعة أمامه ليست بالكتب أو المحاضرات والندوات.

إنها نعمة يسكبها مبدع الكون والوجود فتستقر بالقلب وخلاياه في أقل من ثانية واحدة، ابحث عنها إن أردت لأنك أينما قلبت وجهك ستجد الطريق معبدًا إليها، وقد ترى على الطريق لوحة مرصعة ببيتين من الشعر لا أدري وسط المعميات الأدبية والانتحالات عبر التاريخ من قائلها الحقيقي قبل مئات السنين، إلا أنه كان صاحب خيالٍ واسع، فقد جلس وكتب ليخاطب القلقين والباحثين عن أسباب العلل، وعن مصادر الشفاء في عصره، وفي كل العصور، وأحب أن يختصر كل شيء بكلمات خالدات فقال:

دواؤك فيك وما تشعر *** وداؤك منك وما تُبصر
وتحسب أنّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد