ربما أكتب هذا المقال في الوقت غير المناسب، في الوقت الذي يتعذر علي كثيرًا إيجاد معنى للأشياء، للإنجاز والنجاح، والفشل والإخفاق، للخوف، للحزن، للظلم وللموت والاختناق، وأعلم أنني لست وحيدًا في هذه المحنة، أعلم أنها مشكلة الإنسانية ككل، وجيل الألفية وما بعدها بالأخص بين من يعيشون بلا معنى، وبين من يفتشون عنه في زوايا أيامهم المتشابهة فلا يكادون يجدونه، فمن أين حل بنا كل هذا الشتات فجأة؟ أهو التدفق السريع للمعلومات الذي لا يسمح لعقولنا أن تهضمها كلها وتحللها كلها وتستخلص لنا النتائج الواضحة المنطقية في ما بعد؟ أهو صراع الإيديولوجيات المتزايد وانفتاحنا على كل العقائد والمذاهب – التي تتزايد يومًا بعد يوم – دفعة الواحدة؟ أهي الحقيقة التي لم تعد ترضى أن تكون شاملة ومطلقة، أو أننا نحن من أدركنا أنها لم تكن يومًا كذلك.

لطالما كنت بارعًا في طرح الأسئلة المناسبة منذ نعومة أظافري، وكلما تقدمت في العمر صار من الأصعب إيجاد الأجوبة المناسبة – أو الحقيقية بتعبير أدق – فلا يشتمل الأمر كما يتصور الكثيرون على إعطاء معنى للأمور التي نفعلها والتي تصادفنا خلال الطريق بل حول إيجاده، والفرق بين هذين الأخيرين كالفرق بين النظرية والقانون وبين الظن واليقين، فبعد أن تعتاد على درجة عالية من الموضوعية في تناول الأفكار ومعالجتها سترى أن الجميع محق ومصيب في ذات الوقت، كل مذهب سياسي أو فكري أو اعتقادي يحمل جزءًا من الصحة. أو الخير، كما يحتمل الخطأ أيضًا، وإن دفعنا تحليلنا للأمور خطوة بعد سنجد أن مفهوم الخطأ والصواب مفهوم نسبي أيضًا يختلف باختلاف تجارب الإنسان وأفكاره ومعتقداته وتنشئته الاجتماعية، وتلك المحاولة التي يخوضها جيلنا في الانفتاح والتقارب مع الآخر، تجعله يتيه كثيرًا بين المعاني، دون أن يستطيع الاختيار، فلطالما حاول الناس تشجيعي بعبارة: العباس، أنت تملك قدرات هائلة، يمكنك أن تكون أي شيء تريده، أي شيء، ولم يعلموا حقًا أن عبارة، أي شيء، كانت تزيدني ضياعًا فقدرتي على أن أكون أي شيء تجعل من الصعوبة بما كان اختيار الشيء الذي أكونه، ليبقى السؤال: ما هي الفكرة التي تستحق أن أفني حياتي من أجلها؟

وكلما تأملت في معنى الحياة وجدت أن الراحلين عنها يعطوننا دروسًا أعظم من أولئك المقبلين عليها، أو المتربعين على عرش النجاح والملك والشهرة فيها، أولئك البسطاء الذين يواجهون الموت بصدورهم بكل شجاعة، وأحيانًا يمكن لشخص ما في بقعة ما في هذا العالم تبعد عنك آلاف الكيلومترات أن يلهمك لمعنى لم يستطع محيطك أن يرشدك إليه، وأن يمنحك شرارة قد غابت عنك لزمن طويل، هكذا فعلت بي كلير واينلاند Claire Wineland من الولايات المتحدة الأمريكية أو بالأحرى خبر وفاتها منذ أسبوع.

هذه الفتاة التي عاشت منذ نعومة أظافرها تحت وطأة مرض التليف الكيسي (Cystic Fibrosis)، وهو مرض نادر ينتج غالبًا عن طفرة جينية يؤدي لخلل في إفرازات المخاط في الجهاز التنفسي والهضمي؛ مما يؤدي لالتهابات مزمنة تؤدي للوفاة، أن تعيش وأنت تراقب عداد توقعات الأطباء لعمرك الافتراضي يرتفع تارة وينخفض تارة، أن تعيش حياتك مرتبطًا بأنابيب هوائية لا يمكنك التنفس من دونها، أن تمضي شطرًا كبيرًا من حياتك في غرفة الإنعاش، فهذا ليس سهلًا أبدًا، لكن رغم هذا فقد كانت كلير متكلمة ملهمة على الكثير من المنصات، مدونة على اليوتوب، وصاحبة جمعية تجمع التبرعات لأصحاب الأمراض المشابهة، وألهمت الكثيرين عبر الابتسامة التي لا تفارقها وكلماتها التي تلهم الصحيح قبل السقيم وبعد أن ماتت في سن 21 سنة تبرعت بكل أعضائها لمن يحتاجها، لست أدري صراحة هل كانت تفكر في معنى الحياة؟ هل وجدته؟ هل كان هذا تصرف ذلك الذي يودع الحياة ويريد استغلال كل لحظة فيما يفيد؟ لكنني أعلم أن أهم قرار اتخذته هو عدم التوقف ومواصلة المسير.

أعلم أن المصابين بالكثير من الأمراض المزمنة يموتون في بلدي في أعمار أبكر بكثير من كلير، أعلم أيضًا أن معاناة أمراض أخرى كالفشل الكلوي لا تقل وطأة عن هذا المرض، وأعلم أن في بلداننا نماذج أبطال تحدو المرض والإعاقة والظروف ليصنعوا نجاحاتهم، وليجدوا معنى لحياتهم، ولست بذكري مثال كلير أنتقص من قيمتهم أو أهمشهم لأشجع كل ما هو غربي بعمى، لكنني ذكرت مثال كلير لأنني تابعت القصة منذ مدة باهتمام، ولأنها كانت تتحدث عن الحياة والنجاح والأمل في حين كان يخبرني محيطي عن المشاكل والإحباط والفقر والرداءة، وربما هي في النهاية محاولة هروب لمثال مختلف كثيرًا، بعيد كثيرًا،لعلي أصل.

ختامًا أود إن أقول إن العبرة في النهاية أن تستمر، ليس في أن تصل، كسفينة بها خرق يتسرب لها الماء في كل حين تمامًا كما ينسل الوقت من بين أصابعنا، ليس المهم أن تختار السفينة أي شاطئ ترسو عليه بقدر ما عليها ألا تتوقف،لكي لا تغرق بسرعة أكبر، ومهما بدا لنا خلال حياتنا أن الألم عظيم والمعاناة قد فاقت الحدود، علينا أن نتقبل هذا كجزء من وجودنا الإنساني، كتلك الألوان التي لا تعجبنا قط، لكن المشهد لن يكتمل بدونها، ولتعلم يا صديق أن هذه اللحظة التي تعيشها الآن لحظة فريدة في هذا الوجود لن يكررها الزمن، أنت هنا والآن بهذا الاسم وهذه الصفات وهذه الظروف حلوها ومرها ظاهرة فريدة واحدة ووحيدة لا مثيل لها، فما الذي ستصنعه بلحظتك الفريدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد