غَنَّت فيروز يومًا فقالت «حبني اليوم وانساني بكرة بحفظ لك دوم في قلبي ذكرى» تغني فيروز بكل سلاسة فتخرج الكلمات من فمها لنستشعرها نحن الذين لم تكن قصتنا سلسة أبدًا وعلى بساطة الكلمات ظاهريًا فهي ليست كذلك. إذا كان الحب كما قال سقراط بأنه شيء لا ينتهي وأنه قوة لا يمكن إدراكها أو شرحها، أو إذا كان الحب اجتماعًا لروحين في جسد واحد ثم صناعة وابتكار حياةٍ كاملةٍ مليئةٍ بالطمأنينة والشعور بالحقيقة فكيف لنا أن ننسى من أحببنا بصدق؟ وكيف نتذكرهم؟ وهل نستطيع في النهاية أن ننساهم؟

النسيان آفة الذاكرة  

كيف ننسى كان وما زال سؤالًا جدليًّا، عُلماء النفس والأعصاب وضعوا نظريات عديدة تستطيع أن تشرح طبيعة النسيان
أولها التلاشي أو الاضمحلال وتعني أن ذكرياتنا تتلاشى وتختفي بمرور الوقت وذلك لضعفها أو قلة استخدامها أو حتى عدم أهميتها بالنسبة للإنسان، وتسمى النظرية الثانية الإحلال وتعني أن الذكريات الجديدة تحلُّ محلَ الذكريات القديمة والنظرية الثالثة هي التداخل بمعنى أن الذكريات الجديدة التي تتشابه مع ذكرياتنا القديمة تشوهها وتصبح أجدد منها.

حتى نعيش نحن نبذل جهدًا في فهم العالم وليس تذكره

هنالك تناقض كبير بين العلماء والفلاسفة في مسألة النسيان، يرى العلماء أننا إذا أردنا أن ننسى شيئًا ما وببساطة يجب علينا أن نتوقف عن تذكره بشكل متكرر حتى لا يظن العقل أنه شيءٌ مهم لا يجب نسيانه، إذا كنا سنقوم بدراسة نفس الدرس في كل مرة سيظن العقل أنه مهم جدًا ولن ينساه، لذا محاولة التذكر تجعلنا نغوص في حالة من الفوضى، بعكس بعض الفلاسفة كسيجموند فرويد الذي يقول أن الذكريات التي نحاول محوها ستطاردنا يومًا ما.

في وقت فراغك أنت قابل للتفكير في شخصك الذي تحاول نسيانه، تكمن الفكرة في تقليل وقت الفراغ والانشغال.

تسارعٌ زمني

يظهر سؤال جديد إذا كان العقل لا ينسى شيئًا مستمرًا وكان الحب بطبيعته شعورًا مستمرًا متجددًا فكيف ننساه؟ في الزمن الماضي كان الحب متعلقًا ببعض الرسائل الورقية واللقاءات القليلة والكثير الكثير من المشاعر تحت ضوء القمر وغروب الشمس، كان مليئًا بالانتظار والوقت الكثير الذي يتسنى لنا أن ننسى من يغيب عنا أغلب الوقت بسبب انشغالنا، لكننا الآن في عصر التطور المعرفي والسوشيال ميديا التي أتاحت لنا طبيعة التواجد الدائم والتجدد المستمر.

وبما أننا في عصر التطور فلنقل أنني سأعبر عن شعوري الآن عبر تويتر فأقوم باختصار كل شيء بمئة وأربعين حرفًا أو أنني سأقوم بوضعها قصة في السناب شات لتنتهي بعد أربعٍ وعشرين ساعة، قد أشتاق أن أراها بعد دقيقة من زوالها، أو أنني سأنشر صورةً الآن وأنساها حتى يذكرني الفيسبوك بها في ذكرياتي بعد سنة أو سنتين وفي كل الأحوال أنا سأنسى ما نشرت حتى يذكرني أحدهم بها.

وإذا أخدنا السناب شات مثالًا لمقارنته بالنسيان فإنه حسب دراساتٍ اجتماعية قائم على النسيان والاختفاء وعدم القابلية للاسترجاع وهي البيئة المناسبة للعقل حتى ينسى، وإذا تمت مقارنته بالحب فهو قائم على عدمِ الاهتمام بالصورة الاجتماعية وحاجتنا لمشاركة تفاصيلنا مع الطرف الآخر لنستجيب ويُستجاب لنا في أحداث حياتنا. ماذا لو كان الحب تكنولوجيًا يبدأ برسالة على تطبيق الماسنجر ويُعبَّر عنه بقصة سنابشتاية وتتراكم الرسائل وينتهي كما بدأ برسالة أخرى؟

 لكنه الحبّ باختلاف طريقة التعبير عنه، حتى لو بدأ برسالة معينة عبر موقع تواصل سيكبر وتزداد الرسائل حتى أحلم بطفلي الأول وصورتنا الأولى وسفرنا الأول. أظن أن طبيعة وجودنا في مواقع التواصل الاجتماعي قد أتاحت لنا الفرصة في الوجود مع الكثير من البشر، يذهب الأول ليأتي الثاني، ومن فكرة إلى أخرى قافزين من هذا الموقع إلى الموقع الآخر.

 لكننا أيضًا لا ننسى بهذه السهولة، شعورنا ونحن نحكي التفاصيل والأحداث وتأثّرنا ونحن نقرأ منشورًا ما أو نشاهد مقطع فيديو لا يُنسى ببساطة لكن الوقت يمضي متسارعًا كما جعله هذا الزمن وقد يكون نسياننا أمرًا حتميًا.

سطحيةٌ ما

 نستطيع أن نقول أننا نقع في فخ العلاقات إذا تعمقنا فيها وتوقعنا الكثير وأننا نأخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ملاذًا آمنًا نستطيع فيه أن نقول ما نريد ونصنع العلاقة التي نريد ونتحكم فيها وننهيها متى ما أحسسنا بغياب الاطمئنان على عكس الواقع الذي يحتوي الكثير من الحواجز.

 هل نستطيع أن ننسى الذين أحببناهم يومًا؟ 

هذه الإجابات من موقع Quora:

– تطلب الأمر اثني عشرَ شهرًا لأستوعب أن الفتاة التي أحب لم تكن مناسبةً لي وثمانية أشهر لتخطي العلاقة التي دامت خمسةَ عشرَ شهرًا، لكنني أستطيع القول أنني نسيت الكثير وجلُّ ما أذكره هو سبب انفصالنا.
– مجهول

– منذ سنتين أحببت فتاةً بشدة وكنت أقضي الوقت أفكر بالنهاية الأبدية السعيدة لعلاقتنا، الشيء المضحك أنني لم أتذكرها حتى رأيت هذا السؤال، كل شيءٍ في النهاية يتلاشى، كان الوقت أعظم دواءٍ لي.
– مجهول

– لا نستطيع نسيانهم أبدًا، نحن فقط نتعلم أن نعيش بدونهم.
– أوليفيا ستيندور

– بدقة أكبر نحن لا ننسى لكن شخصًا أفضل يأخذ المكان، شخصك الذي تحب يتلاشى في النهاية عندما يأتي شخصٌ آخر. – سوتيرثا روي

 لكنه يبقى جدلًا لا نهايةَ له ينبعُ من حقيقة شعور الحب الذي يكنّهُ الأشخاص لمن أحبّوا يومًا وينطلق من طبيعتنا الإنسانية بأننا ننسى لأننا نريد أن نعيش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد