أن يكون لديك عين ثالثة، في الوقت الذي يتعمد العالم ألا يبصر.

ألو..

محمود: اتصل بي ياسر، عندهم طلعة وتصوير ع بحر خان يونس الفجر، ومعهم أكتر من كاميرا، ومحتاجين برضو كاميرتنا الطائرة (Drone).

محمود قَلِق، يخاف على كاميرته هذه وكأنها ولد من أولاده وأكثر، يعرف كيف وصلت إليه بأعجوبة، فقد أخبرته عن الرحلة.

في صحراء سيناء ومعي الكاميرا، الطائرة في طريقها إلى خان يونس، وقد وضعتُ جسمها في حقيبة والريموت الكنترول في الحقيبة الأخرى، مجازفة يعرف الغزاوي عاقبتها، إن لم تسر الأمور على النحو المطلوب، سجن، ربما، أبو زعبل؟ ربما، وربما إعاقة للمسافرين لأيام في الشارع إن اكتشفوا أن معي هذه الكاميرا الطائرة، مع أنها ليست ممنوعة، وتمر من كل البوابات الإلكترونية في كل مطارات العالم، ولكنها غزة، الوردة الشائكة أو الشوكة أو البطلة؟ لا، يروق لي أن أصفها بضحية لا أكثر ولا أقل، يهربها بعض المهتمين أو التجار المحتكرين، من خلال الأنفاق إلى غزة، ويعرضونها للبيع بخمسة آلاف دولار، بينما اشتريتها من إسطنبول بألف دولار فقط، وليست ممنوعة كما أسلفت، وتمر على الحزام الإلكتروني في المطارات مرورًا عاديًّا، لكن المسألة هنا عبورها بريًّا عن طريق مصر، وتفتيش الجيش بالعين المجردة، وقتها لم يكن في غزة على الأغلب عدا ثلاث أو أربع كاميرات، واحدة منهن أو أكثر في حوزة عين ميديا وياسر هو عين الميديا، مدينة خان يونس لا يوجد فيها أي كاميرا من هذا النوع، وصديقي محمود عنده استوديو وكما نقول بالغزاوي -منقرز على وحدة زيها- يود أن يوثق حفلات شباب غزة من علو، من السماء.

عند حاجز الريسا بالقرب من مدينة العريش المختلف على هويتها، أوقفنا الجيش المصري، كنا ثلاثة أتوبيسات مُرحلين من مطار القاهرة إلى غزة، الطريق في العادة تستغرق ست ساعات أو أقل قليلًا، في السنوات الأخيرة صارت تستغرق 15 ساعة على الأقل.

أعطوا الأمر للمسافرين بإنزال مئات الحقائب التي تنام على سقف «الباص» لفتحها وتفتيشها تفتيشًا دقيقًا على ناصية الطريق، رأيت شبابًا تدمع أعينهم على الهدايا، وزجاجات العطر الثمينة، وساعات اليد الفاخرة التي أحضروها لأحبابهم من دبي وألمانيا وبلاد الله الواسعة على غير العربي وهي تُكب على الأرض، ترجل الجنود، صعدوا إلى «الباص» فتشوا في كل مكان تحت المقاعد، في الخلف، قلبي تضطرب دقاته، والجندي بجانبي يكاد يسمع ضربات قلبي، وجهي أحمر، الدم يجري في دمي وشمس أغسطس لا تراعي كل هذا، ماذا أفعل يا الله؟ بيني وبين السجن، وربما تكسير العظام شعرة، إن اكتشفوا أمري، إنها قضية أمن قومي للدولة الجارة، إنها قضية أمن قومي بالنسبة لشخصي أيضًا فمحمود حبيبي، وأخي وصديقي، ولا بد أن تصله هذه الحلوة، هذه لحظة من اللحظات النادرة التي يتوجه فيها الإنسان الملحد أو المؤمن على حد سواء إلى الله أو القوة الكبيرة التي وراء هذه الطبيعة، الأخبار ترد أن حاجًا مسكوه ومعه كاميرا طائرة أحضرها من السعودية وحجز لأيام ومصيره مجهول إلى الآن، ومصيري الآن مفتوح على احتمالات فظيعة إن لم تسر الأمور على النحو المطلوب.

بدأ الجنود بالتفتيش، كيف اهتديت وأزحت بقدمي حقيبتي التي فيها جسم الطائرة إلى الجانب الذي فيه الحقائب التي تم تفتيشها، أزحتها سنتيمترًا، سنتيمترًا، ثم فتحت الحقيبة الأخرى وكان فيها الريموت كونترول بيني وبين الجندي القادم إلى حقيبتي هذه متر فقط، لكنه سينشغل في تفتيش حقيبة جاري المسافر لـ30 ثانية أخرى، غطيتها ببنطالي الجينز، وحملت البنطال، صعدت إلى «الباص» بخطوات تلقائية واثقة! كان لدي ثانية واحد فقط -ولا وقت للوقت- ثانية واحدة أهتدي فيها لوضع البنطال الذي يلف الريموت كنترول خلف مسند السائق الموجود في جيب «الباص» الممتد.

محمود يسألني: شو رأيك؟ آاه تمام، تمام أنا هكلمه المسا وبرتب الأمر معه متى ووين نلتقي ونعطيه الكاميرا طبعًا.

«لا يمكنني أن أقول لياسر لا».

ياسر دائمًا مشغول، ودائما لديه وقت لأحبته وللناس، دائما مبتسم ودائمًا لديه مشاكل! أنا متأسف يا الله ويا كل الناس، لم يعد باستطاعتي أن أكون ياسرًا، لم أعد قادرًا على التحرر من المزاج الرأسمالي لهذا الكون كما فعل ياسر.

بين يديك نامت كاميرا، وأخذت تبحث عن تحديث مناسب لها لساعات دون مقابل، بين يديك نامت كاميرات وعدسات كتبت تاريخ شعب ضاع منه كل شيء، لكنه استطاع الاحتفاظ بصورة يا ياسر، صورة لا تسمن ولا تغني من فقد
يا ياسر.

تواعدنا أكثر من مرة، قلتُ: لا بد أن أدعوك في وقت يناسبك لشرب فنجان قهوة أو كأس شاي بالنعناع.

التوقيت: صيف 2017.
المكان: مقهى المارنا هارس بالقرب من مستشفى الشفاء في غزة.
كانت كأس النسكافيه الأولى والأخيرة التي أشاهد ياسرًا يشربها، وأختلس من دقيقة لأخرى النظر إليه مستمتعًا بوجوده، ومحاولًا أن أتعلم، كيف يستمع، كيف يحاور، كيف يعرض خدماته بحب وشغف، وكيف يبتسم، وكيف يستأذن بهدوء ويرحل، لا لشيء، ولكن لأن لديه عدسة ثالثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد