الإخوان المسلمون يحاربون الاستبداد. مقولة نسمعها كثيرًا من قيادات وأعضاء الجماعة، حتى صار يرددها بعض أو كل من ساروا في الرَّكْب. وإنني في هذه المقالة سوف أثبت أن تلك المقولة ما هي إلا أكذوبة، وأنه لا أساس لها من الصحة، وذلك من خلال الواقع التاريخي والعملي  لجماعة الإخوان المسلمين. وأيضا سوف أثبت أن الشعب المصري قد وقع تحت استبداد واحد، ألا وهو استبداد الأنظمة الحاكمة، في حين أن أعضاء جماعة الإخوان قد وقعوا تحت استبدادين، استبداد الأنظمة واستبداد الجماعة. ومن ثم فهناك اختلاف ما بين تركيبة العضو الإخواني، وما بين تركيبة المواطن المصري.

فإذا راجعنا التاريخ، تاريخ مصر ومنه تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، لنتعرف على عدد مَن جلسوا على كرسي الحكم، وعدد من تولوا منصب الإرشاد، فسوف نكتشف أمورًا هي من الغرابة بمكان.

ولتكن البداية مع من تولوا منصب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين، منذ تأسيسها عام 1928. وهم: المرشد الأول، حسن البنا. المرشد الثاني، حسن الهضيبي. المرشد الثالث، عمر التلمساني. المرشد الرابع، محمد حامد أبو النصر. المرشد الخامس، مصطفى مشهور. المرشد السادس، مأمون الهضيبي. المرشد السابع، محمد مهدي عاكف، وقد ترك المنصب وهو على قيد الحياة. المرشد الثامن محمد بديع، ولا زال بديع مرشدًا حتى يومنا هذا رغم سجنه. ولنتذكر هذا العدد ثمانية.

أما من تولوا حكم مصر، فهم: أولًا الملك فؤاد. ثانيًا الملك فاروق، وقد ترك الحكم وهو على قيد الحياة. ثالثًا الرئيس محمد نجيب، وقد ترك الحكم وهو على قيد الحياة. رابعًا جمال عبد الناصر. خامسًا محمد أنور السادات. سادسًا محمد حسني مبارك، وقد ترك الحكم وهو على قيد الحياة. سابعًا محمد مرسي، وقد ترك الحكم وهو على قيد الحياة. ثامنًا عدلي منصور، وقد ترك الحكم وهو على قيد الحياة. تاسعًا، السيسي، ولا زال في منصبه. (وأعلم ما قد يقال عن مرسي وعدلي منصور. وأقول: وماذا لو أمدَّ الله في عمر حسن البنا، فعاش حتى الثمانين مثلًا؟).

من خلال هذا الحصر، يتضح لنا أن عدد من تولوا منصب الإرشاد ثمانية، وعدد من تولوا حكم مصر تسعة، وأيضا نسبة من تركوا الحكم وهم على قيد الحياة أكثر بكثير ممن تركوا منصب الإرشاد أحياء.

وقد يقول قائل: أعضاء جماعة الإخوان قد ارتضوا وتوافقوا فيما بينهم على هؤلاء الثمانية، وذلك على عكس الشعب المصري مع الحكام التسعة. أقول: لا، فأعضاء جماعة الإخوان مغلوب على أمرهم، حيث إنهم وقعوا تحت الاستبداد الثاني، وهذا الكلام ليس من عندي، وإنما هو كلام قيادات من داخل الجماعة، كالقيادي عصام تليمة الذي بيَّن مدى الاستبداد والتشبث بالسلطة داخل الجماعة، وذلك في مقال نُشِر بموقع «عربي21» في أغسطس (آب) 2015. بعنوان: «قيادات الإخوان زي الفل».

 وسوف أنقل هنا بعض فقرات هذا المقال لنرى كيف تمارس الجماعة نفس لعبة الأنظمة. يقول تليمة: «هل اختارت القواعد هذه القيادات؟ يقينًا لا، لم يكن لها أي دور في اختيارها، وإن تم اختيار بعضها في مرحلة ما، فكل من تولى منصبًا قياديًا، ظل متربعًا في سدته سنوات طوال، وبعض القيادات تولى القيادة، ثم جمع حوله من على نفس شاكلته في التفكير والإدارة، فمثلًا: من الذي اختار أول رئيس لحزب الحرية والعدالة، أهي القواعد أم القيادة؟ ومن الذي اختار أمين الشباب في الحزب، أهي القواعد أم القيادة؟ ومن، ومن؟ قيادات كثيرة أستطيع أن أحصرها لم يكن للقواعد فيها دور يذكر في اختيارها.

هل سعت هذه القيادات إلى ترك مناصبها وتصعيد قيادات أخرى؟ وما شعور القواعد عندما تجد مسؤولا في الجماعة في منصبه منذ ما يقرب من (37) سنة، وهكذا قيادات أخرى، فهل اعتذرت هذه القيادات عن مناصبها، ثم خرجت هذه القواعد تهتف ببقائها طوال هذه المدة؟ إن الثابت هو العكس، إن الجميع طالب برحيل جميع القيادات، وأن كفى ما مضى من تجاربها، ولهم الأجر من الله عز وجل، وأن المرحلة الآنية تحتاج إلى فكر جديد وقيادة جديدة، تحسن التعامل مع الواقع المعيش. انتهى كلامه.

ليس هذا فقط ما يحدث داخل جماعة الإخوان المسلمين من ممارسات تتطابق مع ممارسات الأنظمة الحاكمة، بل إن الفصل من الجماعة هو مصير من يتجرأ ويفكر في حرية الاختيار. ولقد ذكر القيادي المنشق عن الجماعة، ثروت الخرباوي، في كتابه ، قلب الإخوان، قصة المهندس أسامة الغزاوي، الذي تم فصله من الجماعة لمجرد أنه أراد أن يختار خلاف ما أُمْلِيَ عليه وقت انتخابات شورى الجماعة.

كما ذكر الخرباوي أيضًا قصة المحامي فوزي الجزار، الذي تجرأت زوجته وانتقدت المرشد ببعض الكلمات، فلما وصلت تلك الكلمات إلى مكتب الإرشاد، أُمِر الزوج وهو فوزي الجزار أن يُطلِّق امرأته، فلما رفض كان مصيره الفصل من الجماعة والتضييق عليه.

وبناء على هذه الحقائق أقول: إلى القيادات التاريخية التي تتحكم في مصير جماعة الإخوان، اتقوا الله في أنفسكم أولًا، ثم في بلادكم، ثم في هؤلاء الأعضاء الذين خدعتموهم وقهرتموهم باسم الدين.

 إلى القيادات التاريخية، لماذا عزلتم هذه الشريحة من المسلمين عن المجتمع، حتى ذاقوا ضِعف ما ذاق المجتمع؟ نعم، فإن شبابكم وأعضاءكم، قد افترسهم الاستبداد مرتين، فاستبداد الحكام عنوة، واستبدادكم رضًا، بعدما قهرتموهم وسيطرتم عليهم بالسمع والطاعة.

إلى القيادات التاريخية داخل جماعة الإخوان المسلمين، لماذا ارتضيتم لغيركم الوقوع فيما أوقعتم أنفسكم فيه، لقد أديتم قسم السمع والطاعة واستسلمتم لقياداتكم منذ عقود، وها أنتم بعد عقود قد فشلتم، فلماذا تفرضون القهر والاستسلام على غيركم من الأعضاء؟. أليس هذا توريثًا للفشل؟

وأخيرًا أيها الأعضاء، أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، من كل الأعمار والمستويات، لن أقول لكم تمردوا على هذه القيادات التاريخية وغيرها، ولن أطالبكم بالثورة عليهم، ولن أحثكم على محاسبتهم على مدار 90 عامًا، وإنما فقط أقول لكم فكروا، لماذا لم يُمَكِّن الله لهذه الجماعة. واقرأوا ما كتبه مؤرخو الجماعة.

أيها الأعضاء، قياداتكم جربت التحالف هكذا يسمونه مع كل أطراف القوة وفشلوا، هذا هو الثابت تاريخيًا، بل لقد جربوا السير في كل الطرق دون أن يُسَطِّروا إنجازًا سياسيًا واحدًا في سجل التاريخ، كي يدفع عنهم تهمة الفشل. فماذا تنتظروا؟

فكروا وسوف تقفون على الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد