كيف حالك يا صديقي؟ وما أخبار القصر العاجي الذي تعيش به؟ أمريح هو؟ وما أخبار شهادة الدكتوراة في الفيزياء النووية التي حزتها من جامعة كامبريدج؟ هل قرأت الليلة ثلاثة كتب كعادتك؟ أم أنك انشغلت اليوم في العمل، ولم تستطع قراءة إلا كتابين هذه الليلة؟!

عظيمٌ أنت بثقافتك، بحضورك، بربطة عُنقك بشخصيتك القوية، بنظارتك الشفافة الجذابة وبأسئلتك المميزة، المحرجة، والملغومة الذكية التي تفقدني الثقة في نفسي، وتجعلني أعترف بأني لا أخبر شيئًا، وأني ذو تحصيلٍ ثقافيٍّ ضعيفٍ، كما تجعلني أُسلّم بأنك مُحقٌّ في كل ما تقول، ولا أنسى ذاك السؤال العظيم الذي سألتني إياه “حكيلي عن حالك باختصار”، آآه، كم كان سؤالًا ذكيًا ولمّاحًا ومحرجًا في الوقت ذاته، فقد احترت حينها من أين أبدأ، وما الذي كنت تريد أن تعرفه بالتحديد عن اسمي؟ لا أعتقد أنك تريد أن تعرفه، فأنا قد أخبرتك به عند وصولي، أم عن عمري؟

لا لا، بالطبع لا تريد أن يكون جوابي ساذجًا هكذا، فقد أخبرتك عنه عندما تواصلت معي على الهاتف لتخبرني بالمقابلة، خاصة بأن الوظيفة هذه كانت تحتاج عمرًا معينًا، إممم، إذًا ما الذي يجب عليّ أن أقوله؟ هل أحدثك عن شهادتي؟ من المستحيل أنك تريد معرفة ذلك، فهو مذكور في سيرتي الذاتية! أوووه، ما أصعب ذلك السؤال، ولكن أعتقد بأنك تريد أن أحدثك عن خبراتي، حسنًا، لقد عملت في…! مهلًا، لا يجب أن أحدثك عن هذا، فهو مذكور أيضًا في سيرتي الذاتية التي كتبتها بعد أن قرأت مئات النصائح على الإنترنت التي تُعنى بتعليم كتابة سيرة ذاتية جذابة، وتضمن العمل في الـ(CNN) أو الجزيرة على أقل تقدير!

ياااه، يالخيبتي فأنا لا أنفع لشيء، لأني تلعثمت عند أول سؤال، ولكني وجدتها، نعم وجدتها، تريدني أن أجيبك جوابًا ذكيًا يضاهي السؤال العظيم الذي سألتني إياه، حسنًا، سأحدثك عن الأيام الكثيرة التي كنت أهرب فيها من المدرسة؛ لأتسكع بالقرب من مدارس البنات؛ لأحدق في تلك الفتاة الجميلة التي كان اسمها سلمى، ياااه! كم كانت جميلة، فقد كنت مغرومًا بـ“الستايل” الراقي الذي تتمتع به، وقد كنت أراقب بها أدق التفاصيل، حتى أني اكتشفت بأن فيها شيئًا من كيم كارديشيان! وعن معاناتي مع “مولدة” جارنا أبو علي التي كانت تخرق آذاننا كل مساء، وسأحدثك أيضًا عن النذالة التي قام بها أبو عبود البقال الذي لم يمنحن علبة “الإندومي” ذات العرض، بعد أن قمت بتجميع خمسة أكياس فارغة منها؛ لكي أستفيد من هذا العرض، وأحصل على واحدة مجانية، ولكنه كذب علي بأن العرض قد انتهى، وقد تألمت يومها كثيرًا “عيب عليه!”.

ياهووه، أعتقد أني أجبت على السؤال الأول بنجاح، ولكني ما فتئت أنتشي حتى باغتني بسؤال آخر: ”ليش بدك تتوظف معنا وشو يلي عجبك بمؤسستنا” سيطر عليّ الارتباك مرة أُخرى من هَول السؤال، واحترت في أمري، هل أصارحك بأني لم أسمع بمؤسستكم من قبل؟ ولا أعرف عنها شيئًا، وأنها من ضمن عشرات المؤسسات التي أرسلت لها سيرتي، وأني بالتأكيد لا أريد العمل معكم لملء فراغي، وأن غرضي مادي بحت، ولكني سيطرت على نفسي في آخر لحظة بعد أن لمع “الجيل” الذي يُزين شعرك الجميل، وألهمني بجواب رائع: ”حبيت أعيش تجربة جديدة”!

وبعدها توالت الأسئلة الذكية، وأجملها “كيف ترى مؤسستنا بعد خمس سنوات؟” ياااه، كم وددت عندها أن أجيبك بأني أتوقع لها الإغلاق والإفلاس؛ طالما أمثالك هم من يتحكمون في مستقبل الشباب فيها، وأن لها مدير معتوه قد أوكل شخصًا مثلك لمهمة كهذه، ولكني تذكرت بأن قسط الجامعة قد اقترب؛ فأجبتك: ستصبح من أوائل الشركات في البلاد؛ بسبب الخطة الخمسية التي وضعتها الشركة، ولم أكد أصدق أنك ستقتنع بكذبتي هذه لولا إيماءات الموافقة التي ظهرت على وجهك حينها، ويبدو أنك لم تنتبه أني لا أعرف شيئًا عن خطتكم الخمسية ولا غيرها!

هكذا انتهت المقابلة، وهذا ما سألني إياه ذلك الرجل المريض الذي يمثل نموذجًا نجده في كل مكان، وفي كل مؤسسة يتبجح بأسئلة تافهة من قبيل ”كم تتوقع أن يكون الراتب؟” فأنت تصبح عندها حيرانًا؛ هل تجبه بمبلغ كبير، فيقول عنك بأنك شخص مادي، ولا يهمك إلا جيبك، أم تطلب مبلغًا أقل؛ فيعتبرك غير واثق من قدراتك، وأنك تريد أن تحصل على أية وظيفة؟ – بدون مبالغة فإن أكثر مسؤولي الموارد البشرية يفكرون هكذا – والطامة الكبرى ليست تلك الأسئلة العقيمة التي يرددها أغلبهم، وبات يعلمها جل الشباب الذين تقدموا للوظائف المؤسساتية، الطامة هي أنه قد لا يسألك أي سؤال يتعلق بصلب الوظيفة التي تقدمت لها، وذلك لأنه ليس له أي علاقة مباشرة بالوظيفة التي تتقدم لها، بل ولا يخبر عنها شيئًا، فقد تكون مصممًا أو صحافيًا أو مترجمًا، ويكون هو من اختصاص مختلف تمامًا!

إذًا هكذا بات الشباب وطموحاتهم بين التهميش الذي فرضته عليهم حكوماتنا في قطاعها العام نتيجة الفساد الذي استشرى ببلداننا وبين بعض المرضى النفسيين الذين يستغلون حاجتهم في الحصول على وظيفة ورغبتهم في إثبات أنفسهم ليفجروا أحلامهم التي رسموها في مرحلة دراستهم الجامعية أو لإبراز مواهبهم التي نّموها منذ الصغر، ولذلك بتنا في آواخر الأمم، في حين أصبح الشباب حكامًا وأولي القرار في بلدان أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد