لا تخطئ العين حالة الإحباط أو الياس أو سمها كما تشاء التي أصابت الجميع بعد مرور الذكري الخامسة للثورة، وهو أمر طبيعي لأسباب كثيرة ليس هذا مجالها الآن.

ومن واقع المعركة التي تدور رحاها في قلوب وأذهان الجميع الآن و حالة السكوت التي أصابتنا، وهي كذلك أبلغ دليل على هذا. أقول:

إلي هؤلاء الذين لايزالون يذودون عن ثورتهم بكل قواهم، وهي التي تبث فيهم الأمل في أن يجعلوا حلمهم الكبير واقعا على الأرض يوم أن يسودوا الدنيا بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

إلى الإخوان المسلمين:

شكر الله لكم حسن بلائكم وتضحياتكم وعملكم الدءوب منذ أول لحظة ظهرت دعوتكم على الأرض في كل مجالات الحياة، ومع تتابع الخيانات والضربات ظللتم أقوياء، وتقومون بعد كل محنة أقوى مما كنتم من قبل، مستعينين بالله على منهجه القويم، وهو الذي بشركم بسيادة الدنيا ونوال إحدى الحسنيين.

فلماذا اليأس إذا كان نفس المنهج يحدثكم عن الفتن والابتلاءات المبينة لكل مرحلة من مراحل الدعوة على اختلاف أجيالها وعمرها؟ ألم تكن الدعوة هي المستضعفة في مكة، ثم المطاردة والمهددة بالإبادة في الهجرة، ثم هي ذاتها المنتصرة في بدر، ثم المتقهقرة في أحد، وهي بذاتها التي دافع الله عنها بالنصر بعد الخيانة والحصار في الأحزاب، وهي التي انسحبت في مؤتة، وذاتها التي أدبرت في حنين، ثم ثبتت من جديد، وهي أيضا التي تمحصت في تبوك، كما أنها التي فتحت مكة، وغزت فارس ففتحت المدائن، وحاربت الروم، فدخلت دمشق!

ولا يتبين الحق إلا هكذا: بتقلب الحياة، ودوران الدائرة بين الناس، فكم تخفي الضمائر، وتستر الحوائط، وتخدع العبرات، وتبقي المحن هي الكاشف الحقيقي لكل مخادع ومنافق وكذاب ويتبقى الأصل في عدالة القضية وعظم هدفها؟

إن قضيتنا قضية الحق، وهي قضية عادلة عظيمة الهدف والقيم، فمهمتها إقامة الحق والعدل والسلام وتعبيد الناس لله ـ عز وجل ـ ومعركتها أزلية مع الباطل ولها سنن ومواقيت، وأصل سننها الإيمان بالله، وموعوده شريطة عدم القعود أو الركون إلى الظالمين.

إن التكبير الذي كتمناه في صدورنا في كل ميادين مصر مخافة على الثورة وقضيتها، قد أذن الله له أن يخرج علانية لتكون ثورة لله، كما ظللنا نحلم بها، ونأمل نصرها، وهو قدر الله لنا، فقد اتضحت المعركة واستبانت كالشمس أنها حق وباطل، ليس إلا.

ولا تظنوا أن خفض أجنحتكم للناس من المخالفين لكم في الثورة ضعفا أو ركونا اليهم, لا بل تعرفون أنتم بمنهجكم الذي تربيتم عليه أنهم مساكين مخدوعين بألاعيب العدو والتغييب الفكري الجاهلي طوال عشرات السنين، إنهم مفتونون بمظاهر زائفة، ووعود كاذبة، ويغيب عنهم حقيقة الصراع، ومنبع المؤامرة على ديننا وأقوامنا.
إن هؤلاء ليسوا اعداءكم، بل هم جزء من قضيتكم، إنهم مغيبون يحتاجون إلى وعيكم، مرضى يحتاجون إلى دوائكم، إنهم كما وصفهم مربي منهجكم صلى الله عليه و سلم (حديثو عهد بجاهلية) ولا شك أن كثيرا منهم لا يزال يجهل حقيقة دعوتكم وأهدافها، ومدى ما تحمله لهم من عدل ورحمة وإنصاف.

ولا يغرنكم أيها الإخوان ظهور الخائن الكذاب، وتمكنه وعلوه، فهذا الذي ترونه هو موعود الله لكم، فهل يذهب الطغاة، إلا في أوج قوتهم وشدة بأسهم واطمئنان قلوبهم بأنهم الأقوى سلطة وجندا.

فلا تتخلوا عن قضيتكم، وعلينا جميعا أن نظل على ما نحن فيه: الثائر في شارعه هاتفا ضد الظلم ونصرة للحق، والنوعي في عمله مجاهدا متمرسا مفكرا فقيها بعمله، يتقي الله في دماء الناس وأعراضهم وحرماتهم، ويا أيها الساعي على أرملة الشهيد وأمه المكلومة الثكلى وزوجة المعتقل وكفالة بيت المطارد! أكمل سيدي؛ فأنت ظهر القضية القوي، وأنت العود الذي تستند عليه بعد الله، وذلك المربي لأبناء الشهداء والمتعهد لهم بالرعاية والتوجيه فيعمل على استكمال البناء بهدوء لبناء جيل جديد يملؤه الحماسة والقوة للثأر والقصاص.

حتى المطارد، الذي لاحول له ولا قوة إلا بالله، نقول لك: إن استيعابك للجانب الأمني، وأن تحافظ على حياتك، وتقوي صلتك بالله، وتعهد إخوانك في العمل بالدعاء والنصيحة لهو جهاد خير وبركة، ولعل الله يعجل بيوم تكون الحاجة إليك في الميدان أكثر نفعا منك اليوم، لو كنت حرا أو معتقلا؛ فالخير ما أنت فيه، فأكمل نصرة دعوتك واجتهد.

فلا ينال منا يأس، ولا يرغمنا واقع على الركون، بل نعمل بأي شكل حتى وإن كان في ظاهره ضعيف التأثير، لكنه عند الله عظيم، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، ولا يظن أحدنا أن فيما يفعل من قليل ذاهب بلا أثر عليك أن تسمع فقط قوله تعالى:{وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا}، فإن لم تقاتل فادفع بأي شيء، والأثر باق، والأجر موصول، وخلاف ذلك النفاق، أعاذنا الله منه وإياك.

فلا تزال الدعوة وستظل إلى قيام الساعة، من أراد النجاة فليكمل، وكذلك لا تزال المعركة على الأرض، لم تحسم بعد، وإن بدت في صالح الباطل فهي غثاء وزبد يفرحون به، ويغريهم الله بقوتهم ويفتنهم لتظهر معادنهم، حتى إذا تمايز المجرمون واطمأنوا لحصونهم وقوة بأسهم أتاهم أمر الله بغتة من حيث لا يشعرون، {ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين}.

ثم إلى هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم يبتغون عزة وكرامة إنسانية ممحوقة في وطن مسلوب من زبانية طغاة، الذين خرجوا يطلبون أن يحيوا كما قدر الله لهم كراما، وحسابهم على الله.

 

إلى الثائرين من أبناء مصر:

أيضا إليكم يا من خرجتم تدافعون عن وطن مسروق المال منتهك العرض مهان الكرامة مغيب العقل بإعلام مضلل أنتم أيضا أصحاب قضية عادلة منصورة بإذن الله، ومن مات دونها فهو شهيد إن خلصت نيته لله، فمن مات دون ماله أو عرضه أو كرامته فهو شهيد ذو قضية عادلة موعودة بنصر الله وتمكينه، فالله ينصر العدل أيا كان حامله، ويهزم الظلم أيا كان مصدره وهدفه.

ولا تظنوا أن جولة المعركة قد انتهت، لا، بل إن سارقك لا يزال كما هو يرتع في شهواته؛ لكي يقضي على ما تبقي فيكم، ويظن أنكم استسلمتم، فلا يغرنكم بقوته، وقاوموا إلى آخر رمق فيكم، عودوا من جديد إن كنتم مؤمنين بعدالة قضيتكم، وأهداف ثورتكم، فالصدق في الهدف يظهر عن الشدائد، ولا تحقروا قليل جهدكم؛ فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة.
إليكم أصحاب الفكر والثقافة، إليكم أيها الأقباط، إليكم يا شعب بلا حزب، أو فكر أو جماعة أو طائفة في ربوع مصر، يا من تبغون هدفا قامت من أجله ثورة ذهبت دماء أحبتنا ثمنا لها كي نعيش نحن بكرامة وعدالة

أقول:

خلوا من قلوبكم فتنة العسكر بنا وخداعه لنا جميعا، واعلموا، بل كونوا على يقين أنه حتى لو تمكن الإخوان فلن يظلموكم أبدا؛ (ومتى ظلموكم من قبل كي تخافوا منهم!) ولن يهضموكم حقكم حتى بعد ظلمكم لهم، وتآمركم عليهم وشماتتكم في دمائهم ورقصكم على جثثهم، لن يأخذوكم بالجور كما فعلتم أنتم بهم، ولن يعاملوكم بعملكم معهم؛ فليس هذا نهجهم ولا فكرهم ولا يأمرهم به دينهم.

وما أعرفه عنكم، حتى وإن اعتقدتم أن الاخوان حالفوا العسكر، لكنهم لم يظلموكم، ولم يعتدوا على حرماتكم، ولم يسلبوا حريتكم، ولم يصادروا آراءكم، ويغلقوا الطرق أمام حركتكم وعبثكم، حتى تطاولكم عليهم، واعتداؤكم على حرماتهم بأنفسكم دون ذنب اقترفوه، حتى كل ذلك لم يقابلوه بالمثل، ولو أرادوا لفعلوا، لكنهم مع ذلك دافعوا عنكم، ولم يغرروا بكم مثلما فعلتم أنتم، وها هو من رقصتم له بظلم الإخوان، ينكل بكم بهدوء في أقسام الشرطة وأكمنة الأمن على الطرقات، ويبشركم بالجوع والفقر والعطش ويأمركم بالزهد والتقشف، بينما يفرش السجاد لسيارته الفارهة، ومن يجرؤ على فتح فاه؟ فالإخوان نموذج واضح لما سيحل به و بقومه!

فاعلموا أن الإخوان قلوبهم رحيمة، وصدورهم سليمة، لا يحملون حقدا لأحد، ولا حتى من ظلمهم، وإن واجبكم الآن أن تطلبوا العفو من ربكم على ما اقترفتم بشدة حقدكم، وكفر خصومتكم التي وصلت إلى الغناء والرقص لمن سفك دماء الناس ظلما وعدوانا بلا ذنب أو جريرة، فيكفي ذلك ذنبا يجلب الخزي ويوجب سخط الله ونقمته، ناهيك عما يفعله، وما سيفعله بكم الجنرال قريبا ( فإذا استمر السيسي في مكانه القعر بتاعه لسه مابنش هجبلكم من تحت الزبالة) من تسريب الرئيس محمد مرسي.

وإن منهج الإخوان ودعوتهم يناصرون قضيتكم، ويدعون لها وهي جزء من دينهم وفكرهم، بل إن ما تطلبون من حرية، هي أساس انطلاقة فكرهم، فمتى يستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!

فلا يأخذن أحدا منكم الغرور، فإن كان الإخوان أساءوا في السياسة فقد حرضتم على الدماء، وإن أساء الإخوان في الفكر فقد شمتم في العرض والشرف، وإن أخطأ الإخوان في تقدير المواقف وتحليلها فقد أخطأتم بتدبير الخيانة والإعداد لها عن قصد وعمد ومعرفة المصير الغادر لرفقاء ميدان الثورة الممزقة.

فدعوا عنكم ذلك واستكملوا ثورتكم إن كنتم تؤمنون بها حقا، واعملوا على وعي الناس واعترفوا بأخطائكم، وانتشروا في كل مكان بعمل دءوب لتعيدوا أمل التغيير في قلوب الناس، وموتوا من أجل فكرتكم مثلما مات الإخوان وما زالوا.

وأقول نحن معكم، ولن نترككم، وسنناصر قضيتكم، ولن نظلمكم أو نتخلى عنكم، وإن أتيتم معنا نادمين فمرحبا بكم، نسعكم ولا نطردكم، ولا يلومن أحدنا على الآخر في عمله ضد الظلم، شريطة ألا يعتدي عليه أو يغرر به، مثلما فعلتم، ومآل الجميع هناك بين يدي الله هو سبحانه {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}.

فهلا من بناء ضمير يجمع الله به شتات شمل، يسعى إلى الحق والعدل على أرض الوطن الذي ذهبت الدماء من أجله رخيصة، بينما هو اليوم يباع اليوم بأبخس الأثمان ويبشر أبناءه بالفقر والجوع، ويملأ الخوف جنباته، ويأتيه الموت من كل مكان؟

{وما ذلك على الله بعزيز}

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد