عزيزي خالد سعيد، أكتب إليك اليوم وأنا أعلم أنك لن تقرأ ما أكتبه، أكتب فقط لأني شعرت بضرورة أن أكتب، بضرورة أن أتحدث إليك حتى وإن لم تسمعني، أكتب إليك مدفوعًا بفضول جارف للحصول على إجابات لأسئلتي، أعلم أنك لا تمتلك هذه الإجابات، بل إنك حتى لا تعرف هذه الأسئلة، لم تعش هذه الأحداث ولا تدري عنها شيئًا، لا تعلم أنك أحد أبطال روايتنا الجديدة وأحد أهم شخصياتها، لا تعلم ما فعلناه بعدما رحلت ولاتدرك مقدار الإلهام الذي استخرجناه من حادثة تعذيبك وقتلك، لا تعلم كيف أصبحنا في لحظة ما “كلنا خالد سعيد”، بل ربما لو كنت حيًّا بيننا حينها لما كنت أحد هؤلاء الـ”كلنا ” ولفضلت البقاء بعيدًا أو الانضمام للمعسكر الآخر.

أعلم جيدًا أنك شخص عادي، لم أقترب منك قبل رحيلك، ولم ألتق عائلتك بعدها، لا أعلم عنك الكثير، ولا أرغب حقـًّا في ذلك. لطالما أبهرني كل من حاول الغوص في تفاصيل حياتك ليخرج بعدها ويعلن بأريحية كاملة أنك لم تكن تستحق كل هذه الضجة، يؤلمني أن يفقد بعضهم إنسانيته ليعلن عن استباحة دمك كونك كنت مذنبًا كما يرى، كنت أتحاشى الخوض في كل هذه التفاصيل، أحاول أن أصم أذناي عمن نصب نفسه قاضيًا وأمر بإعدامك دون محاكمات، أحاول إنعاش ضمائر من ماتت ضمائرهم، أذكرهم بكلمات ربما نسوها في زحام الحياة وقسوتها، العدل، الرحمة، الإنسانية.

لماذا كنت أنت بالذات؟ لماذا لم يكن رمزًا سياسيًّا أو داعية؟ لماذا لم يكن شيخـًا فانيًا أو طفلاً ممن قضوا في قطار الصعيد المنكوب؟ لماذا لم تكن امرأة ماتت على أحد أسرة الإهمال في المستشفيات أو ناشطـًا مات جراء تعذيبه في معتقلات أمن الدولة؟ لماذا أنت بالذات؟ لا أعلم عن نقائك الروحي شيئًا لكني أعلم أن أسماء كانت لتكون أكثر نقاء كما يقولون، لا أعلم شيئـًا عن انتماءاتك الأيدولوجية أو نشاطك السياسي لكنك بالتأكيد لم تكن أحمد ماهر أو إسراء عبد الفتاح، لست عضوًا في كفاية أو من شباب الإخوان، لست سيد بلال أو سالي زهران، لست محرز سوريا ولا أبو ضيف الاتحادية، لست أيًّا من هؤلاء، لا يميزك شيء ما عنهم، أنت شخص عادي جدًّا، عادي لأبعد الحدود، لكن – ويا للغرابة – كونك عاديًّا هو ما منحك كل هذا الزخم، كل هذه المصداقية، أنت الشاب الذي لم يكن الأول على دفعته، لم يقض رمضان عاكفـًا في المسجد، لم يتظاهر ضد التوريث، باختصار أنت أنا، أنت أحمد وإبراهيم وسميرة وحسين، أنت ملايين الشباب الذين لا نعرفهم ولن نعرفهم، ملايين (العاديين) الذين شعروا أنهم خالد سعيد فهبوا من أجله.

اليوم، لم تعد أنت أنا ولا الكثيرين غيري، أعلم أنك لا يد لك في ذلك لكنها الحقيقة، لقد بدأ الكل في البحث في صفاتك وتوجهاتك، تأملوا صورتك وكأنهم يتعرفوا على ملامحك لأول مرة، بعضهم لم يجد اللحية التي يريدها، بعضهم الآخر لم يجد قصائد درويش في ذاكرتك، حين فتشوا حجرتك لم يجدوا مقالات لإبراهيم عيسى ولا كتبًا للحويني، لم يجدوا لفظة “كلنا ” تعبر عنهم، لم يجدوا حتى من صاغها وروج لها حاضرًا بينهم بكلماته التي كانت الشرارة الأولى لكل ما حدث، بعضهم هجر هذا التجمع المليوني وبعضهم الآخر سارع لإنشاء “كلنا” جديدة لكنها “كلنا” بدونك، بدون خصائصك التي جمعتنا أول مرة، أرادوا أن يجروا لك عملية لاستئصال بعض ما لا يجعلنا “كلنا” التي يريدونها فصارت كل ال”كلنا” باهتة.

 

يا ليتنا ظللنا نرانا عاديين مثلك.، ربما كان ذلك أفضل من كوننا الآن باهتين هكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خالد سعيد, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد