فالمقصود هنا النصر الشخصي والنصر العام على السواء، فإذا اعتبرت نصرك الشخصي في حياتك الفردية التي تلوذ بها جزءًا لا ينفصل عن حياة العامة بل جزءًا أساسيًا من النصر العام الذي يتحقق بهذا، تصبح فردًا سويًا ينتمى إلى المجموع والأمة التي يعيش حولها، أما إذا اعتبرت نصرك الشخصي لحياتك أنت وليس له علاقة بالنصر العام فاعلم أنك في مشكلة فهذا جزء من ذاك.

سيدنا ذكريا حينما نادى ربه بالمحراب ويستمر في طلبه ويلح في دعائه إلى ربه أن يرزقه الابن الصالح فضلاً عن أنه يعلم غياب الأسباب المادية الدنيوية المشترطة لتحقيق طلبه، ولكنه استمر بالأخذ بالأسباب وهي مناجاة ربه ليلاً وحده، فكانت هناك رسالة واضحة ومحددة أن ينصره ربه بذرية صالحة فكانت النتيجة أن يستجيب له ربه وينصره ويؤيده بيحيى صالحًا نبيًا ذكيًا ووصلت رسالة النصر الذي تأخر.

الوضع نفسه على المستوى الشخصي لكلُ منّا حينما يناجي الطالب ربه ويطلب أن ينصره بالاختبار الذي يمر به كي يجتازه تمامًا مثل الشخص العاطل عن العامل الذي يبحث عن العمل يستمر بدعائه لربه أن يرزقه العمل والعيش الحلال، فالبنت التي تتوسل لأهلها أنها لا ترغب في الزواج من هذا وترى أنه سيصبح أكبر عائق أمام مستقبلها وحياتها فيما بعد تجد أباها وأمها صمًا عنها فتتجه بطبيعة الحال إلى ربها لتطلب منه النصر ويكاد أن يتأخر النصر عليها لكن ربها بها عليم.

فحال المسلمين بغزوة بدر وهم ثلاثمائة مقاتل أمام أكثر من ألف مقاتل كامل العدد والعتاد والسلاح يحفزهم الرسول ويطالبهم باستمرار القتال والصمود للوصول للهدف ورفع راية الإسلام ونستمر مع سيدنا نوح عندما دعا ربه إني مغلوب فانتصر، كلاهما طلبا النصر من ربنا الذي لم يظنوا أبدًا سوء الظن في يقين النصر حتى لو تأخر بعض الوقت فأول درس نتعمله من تأخير النصر اليقين من حضوره وأن الأساس في تحقيق النصر تأييده من ربنا ولا يقتصر على الأسباب المادية فقط، فهذا لا يعني وجود تناقض في المعنى بين الروحانيات وتوافر الأسباب بينما أيام الصحابة والصديقين والشهداء كانوا على تواصل رباني مستمر، لذلك لا يلقون أي اهتمام ولا يشغلون بالاً بالدنيا وهمومها، وكان أفضل دعائهم اللهم لا تجعل الدنيا أكبر هم لنا، أما الآن فكيف نحقق النصر ونحن مهملين في التواصل الرباني وأيضًا لا نمتلك الأسباب المادية، ومع ذلك نلّح في طلب النصر!

فكيف لزوجة أن تصبر على كلام أم زوجها عندما تقذف بها بالكلام في كل رؤية لها عن سبب عدم إنجابها حتى الآن وكأن الأمر بيدها فلم تجد سببًا لها إلاّ أن تذهب وتتطلب من الله أن ينصرها حتى وإن تأخر النصر فتتذكر معجزة السيدة مريم التي أنجبت وهي لم تتزوج فتلّح أكثر وأكثر في الدعاء دون أن تلقي اهتمامًا بالعوائق، ننتقل لنقطة أكثر صعوبة على الاستيعاب والصبر والتحمل لنلقي نظرة على أحوال المعتقلين وأسرهم، عليك أن تفكر لوقت قليل كيف لشاب أن يقضى عمره وزهوة شبابه بين أربعة حيطان في عنبر يزدحم بأكثر من عشرين شابًا مثله لم يعرفهم من قبل، ولكن تشابهت ظروفهم وقدر الله لهم فيدعون الله لهم ليلاً موحدين الطلب والسؤال أن يهوّن عليهم وحشة الظلمة والخلاء الذي يملأه صوت العساكر من الفجر حتى النوم.

وعليك أن تفكر في الأصعب حالًا، أسرهم وأمهاتهم على وجه الأخص، فهم مجبورون أن يفرّطوا في فلذات أكبادهم الذين شقوا وتعبوا قدر ما تعبوا في تربيتهم كي يتركوهم في أحضان المعتقل واقفين عاجزين مكبلي الأيدي، فكيف لأم أن ترى ابنها مرة واحدة فقط في الأسبوع بعد الانتظار في طابور طويل ممتلئ بنساء مثلها، وعندما تنظر إلى ابنها وهي أبسط حقوقها المحرومة منها تشعر كأنها حققت إنجازًا بعد أن كانت تشبع من النظر إليه، كيف لفتاة في مقتبل عمرها أن تودع زوجها الشاب الذي كافح لكي يصل لها أن تتركه في ليلة زفافهما ويودّعها ويستقبلوه العساكر في العنبر الجديد، فهل تمتلك أنت أيها القارئ كلمة واحدة أو أكثر كي تصبرّها؟ هل تستطيع أن تخبرها أن الله ينصر الضعيف حتى ولو بعد حين؟

فنقف منذ أكثر من عامين عند نفس النقطة ونتبع الآليات نفسها للسابقين، التي لم تجز الآن ولم نخطط ولم نأخذ بالأسباب، ومع ذلك نتعجب من تأخير النصر، لم نعمل على تأهيل الجيل الصاعد وتمكينه، ومع ذلك نتعهد بأن هذا جيل النصر، فكيف لعقل ناضج يفكر أن يتقبل هذا الكلام!

بعض الملاحظات التي تبدو مهمة في ذلك السياق:

  •  السبب الرئيسي في مخيلتي من قمة العدالة الإلهية وإنصاف ربنا لنا أن يتأخر النصر على عبد من عباده لأسباب لا يتوصل لها إلا من كان له صلة جيده بربه، ألا وهي أن تأخير النصر يجعلك تتحرك وتسعى وتدرك أن هذا ليس الوقت المناسب لتنل النصر فيؤجله الله لك حتى تستحقه.
  •  تحصل الشدة والعسر والضيق خصيصًا كي تكسر بداخلك جزءًا من الرفاهية والتدليل الزائد إعمالاً بقول الرسول: “اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم”.
  • اعلم أن الدنيا محطات ومراحل فإن مررت محطة ومرحلة ما وجدتها مليئة بالصعوبات والضيق فإنها تمهد للأسهل والأفضل فيما بعد تدّرب جيدًا على معركة النفس الطويل، وتذكر سيرة الحبيب حينما مرّ على مراحل وتجارب وأزمات كثيرة تأخر فيها نصره ولكن نهاية المطاف انتهى على تحقيق نصره وتعزيزه من الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأمة, النصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد