بينما أتأمل قصة نبي الله أيوب، النبي الذي أعطاه الله خير ما يؤتي المرء من الدنيا، المال والخير الوفير، الزوجة الصالحة والذرية المباركة، والنبوة وهي خير ما أوتي.

وفجأة، يدب المرض في جسده فيلزمه الفراش، وأي مرض، ثمانية عشر عامًا طريح الفراش حتى هجره الجميع. ثم يفقد أمواله وكل ما نَعُم به الثمار والخيرات، وأي فقد، زوجته المرأة العزيزة تخدم الناس لتتقاضى مالًا حتى تطعم زوجها.

ليس هذا فقط، بل يبتليه الله في أبنائه فيسمع خبر فقدهم واحدًا بعد الآخر. أين نبي الله من هذا؟ كيف حال قلبه؟ «إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب».

ما رد فعله وزوجته تقول له أنت نبي ادعُ الله أن يشفيك، سيستجيب لك، فيقول وقلبه يسكنه الرضا والطمأنينة «أنعم الله علي بالعافية سبعين عامًا، أفلا يحق لي أن أصبر بالمرض سبعين عامًا أخرى». أتساءل حقًا، لماذا لم يدع الله طيلة هذه السنوات، لماذا لم يبث إليه شكواه وحزنه على ماله وأهله وعافيته وولده، لماذا لم يدعُه ليل نهار حتى يستجيب دعاءه ويرفع عنه الابتلاء ويعيده ما فقد؟ وقد فقد كل شيء حتى لما اشتد عليه الأمر وبلغ الابتلاء منه مبلغه، لم يشكُ أو يرثِ حاله، بل قال «ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين» بلا شكوى أو طلب فقط للرحمة.

إلى الإنسان الذي بداخلي.

هل جربت، وقلبك معلق بشخص، ضائقة دنياك بدونه، زاهقة روحك في بعده لا اطمئنان لقلبك إلا به كولد سيدنا أيوب، ونفسك تتوق لشيء تريده وترى في وجوده جمال الدنيا وراحة البال كمال سيدنا أيوب، والابتلاء يكاد ينهيك ضعفًا، وتطلعًا «آه لو ينتهي»، وتتمنى حياة هادئة مطمئنة لا يشوبها ألم أو وجع، وتظن روحك تتهاون شيئًا فشيئًا كمرض سيدنا أيوب.

هل جربت، ومؤكد لا تخلو من أحد هذه المشاعر، ألا تدعوه بما تريد، ألا تبكي إليه رجاء وتضرعًا فقط ليرضي بشريتك وتطلعك الدائم لنعيم الدنيا، وثقتك التامة بتقديرك المحدود للأمر، وقصر نظرك فيما يتعلق بالخير المؤجل، أو الحكمة والتدبير!

هل جربت أن تدعوه فقط أن يرضيك بما يريد، فلا ترثي شخصًا أو شيئًا، ولا تفقد عيشًا راضيًا ولا تترك روحك تسلبها الدنيا بمنعطفاتها المتتالية، وثقتك ويقينك يتآكلان شيئًا فشيئًا في غير وعي منك! ولا تحتل طبيعتك البشرية بضعفها وجزعها، محل إيمان قلبك وتماسكك وقت الابتلاء.

هل جربت ألا تدعوه بأن يرضي هواك ويمنحك ما تتمنى، بل أرغمت قلبك وآثرت أن تدعوه أن يختار لك، ثم ترضى تمامًا باختياره كرضا المحب بكل ما يفعله المحبوب؟

هل جربت سكون القلب وأنت ترضى باختيار الله لك كما لو خيرك فاخترته، مطمئنًا راضيًا؟ هل لدعاء عمر بن عبد العزيز «اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته» نصيب من دعائك؟

 

ثم إلى السر وراء صمود نبي الله أيوب ليس صبرًا فقط، بل صبر جميل يتخلله رضا عن الله وتسليم تام بقدره وشكر بكل عطايا المحبوب! وهنا نصل إلى محور اطمئنان أيوب وتسليمه التام: «الرضا».

الرضا بوصف الإمام ابن القيّم «الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر؛ ملأ الله صدره غنًى وأمنًا، وفرَّغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظُّه من الرضا امتلأ قلبه بضدِ ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه».

وكما أن لكل فعل رد فعل، فالرضا كذلك ليس وليد اللحظة ولم يتمتع به أحد عرضًا. أما فعله فبدايته التوبة من جديد، وككل عمل صالح مبتغاه الطاعة، يتخلله الإخلاص في السر والعلن وصدق النية والسعي إلى الله بقلب سليم، فالغاية هنا ليس فقط إرضاء الله بل الرضا عنه والتسليم التام له وتوجيه هوانا لهواه، وترك النفس بين يديه فنرتقي بها من الأمارة بالسوء إلى اللوامة ثم المطمئنة الراضية.

نعم طريق شاقة لا تقل مشقتها عن طريق المجاهدة يلزمها تزكية النفس وعلو الهمة، يحمل عميق معنى من المحبة والإيمان «ومن يؤمن بالله يهد قلبه»، حين تؤمن به حق الإيمان، تسعى بكل ما أوتيت أن تعرفه حق المعرفة، فيزداد القلب حبًا وإيمانًا ويقينًا بالطريق إليه، فيسلكه وكل رضا به لا يبالي بما قد يعترضه فيجني ثمار محبته وصدق سعيه وهرولة قلبه إلى الله فيبلغ من المقامات أعلاها ألا وهي الرضا عن الله. كمبلغ رضا عمر بن الخطاب عن ربه «ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره».

له من رد الفعل والجزاء ما يبلغ منزلة الزاهدين وأرفع درجة، كما قال الفضيل بن العياض «الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته». ويصبح قضاء الله هو أحب الأشياء إليه فيسُر بالمصيبة كسروره بالنعمة، وفي قول الربيع حين اشتد به المرض «ما أحببت أن الله نقصني منه قلامة ظفر» درس بليغ.

ويختصهم الله بالهناء والسرور في الدنيا والآخرة «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، والحياة الطيبة هنا الرضا والطمأنينة في الدنيا والنعيم الدائم في الجنة. أما في الآخرة: «وبشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» أولئك المطمئنون الراضون في الأرض.

فـ«رضيت بالله ربًا» لا كلمات استلزمها ديننا ولا حديث حفظناه ورددناه لنُقر به إسلامنا فحسب؛ بل هي مقام عظيم المنال يستوجب استحضار القلب وتزكية النفس، فالرضا بالله ليس أن ترضى به ربًا وإلهًا فقط، إنما ربًا وإلهًا، معطيًا ومانعًا، مختارًا ومدبرًا.

فروض نفسك على الاطمئنان دائمًا لكل تدابير الله ما نلت خيره وما لم تنل، ما أدركت حكمته وما لم تدرك،  تنعم بذاك العبد الذي يرضيه ما يرضي الله ولو اختار لاختار ما اختاره الله له، تاركًا نفسه لله لا يرى لها خيرًا أو شرًا، نفعًا أو ضرًا، رضاه بالمنع كفرحته بالعطاء، فكلٌ من عند الله وكل عطايا الله تحبها نفسه.

فيُنَادى عليك: «يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، وادخلي في عبادي، وادخلي جنتي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد