عندما تستبيح الأنظمة الديكتاتورية القمعية، الملقبة زورًا بالأنظمة الوطنية، حياة مواطنيها، وأجسادهم، وأفكارهم، وأحلامهم، فتشبعهم تعذيبًا واعتقالًا وقتلًا؛تحت دعاوى مختلقة، كتحويلهم إلى خونة وعملاء، وبحجة الحفاظ على أمن البلاد وسلامتها، يحول المعارضون فكريًا، المطالبون بالحرية، إلى كلاب ضالة، وطابور خامس وقوى للرجعية، يجب التخلص منهم، وإبادتهم؛ كي «تحيا مصر».

«تحيا مصر» كلمة طنانة، نرددها كالببغاوات، كلمة لا توجد في أية دولة محترمة؛ فجميع الدول المحترمة الإنسان فيها أولًا، وكل ما يحمله الوطن مسخر لخدمة المواطن، وليس العكس. «تحيا مصر» كلمة ترتكب تحت ظلها أبشع الممارسات؛ للمحافظة على كرسي الحكم؛ فهي القفاز المخملي الذي يخبئ الأيدي القذرة الملطخة بدماء الأبرياء.

إنه ميراث الاحتلال البغيض، ورثته تلك الأنظمة التي صنعت على عين الاحتلال حفاظًا على مكتسباته ومكتسباتهم، إنهم يقتلوننا منذ عقود؛ ليس من أجل أوطاننا، كما يزعمون، إنما من أجل سادتهم في الغرب، ومن أجل أعناقهم، فنحن شعوب محتلة، حتى يومنا هذا، فما نحن فيه مثل «إعدام شباب (عرب شركس) وكل التعذيب داخل المعتقلات والاختفاءات القسرية»،  ليس ببعيد من إعدام «خميس» و«البقري» في مصر، وقضاء «شهدي عطية» نحبه تحت التعذيب، وإسالة جسد «المهدي بن بركة» في المغرب، ونحر«عبد السلام عارف» في العراق، وشق حنجرة هتيف الثورة السورية «إبراهيم القاشوش»، وحرق يد الصحافي اللبناني «سليم اللوزي» في حمض الكبريتيك المركّز قبل إعدامه، وهذا كله ليس ببعيد عن حادث «دنشواي» الذي أعدم فيه وجُلد وسجن فلاحون مصريون بأيدي قضاة وجلادين مصريين أيضًا، وليس ببعيد عما فعل بـ«جميلة بحريد» بالجزائر، ولا ببعيد عن «سليمان الحلبي»، هذه أمثلة من جبل الوحشية الذي تعاملت به الأنظمة الوطنية السائرة على خطى صانعيها الغربين مع خصومهم.

مازال يرغمنا الاحتلال على دفع ثمن مطالبتنا له بالحرية، مازال يقبض الثمن من دمائنا وكرامتنا ومقدراتنا، ولكن بيد خونة وضعوا في سدة الحكم، فلم تختلف النظم الجمهورية والملكية في هذه الممارسات غير الإنسانية ضد خصومها، عما كان يفعله السيد  المحتل؛ فكل ما حدث هو استبدال الشرطي الأجنبي بالشرطي الوطني، هذا هو الحال، صرنا سجناء داخل سجن كبير يسمى الوطن.

الوطن صار أرضًا تجمع بين حدودها كل معاني سجون الدنيا الخمس:

السجن الأول: هو سجن الإنسان خلف أسوار الجهل، «وهذا حالنا: جهل بالدين، وجهل بالعلم، وجهل بمعنى الإنسانية والحرية والكرامة».

السجن الثاني: هو سجن الإنسان خلف أسوار الكفر؛ فأكبر أنواع الحرمان حرمان العبد من طاعة الله، «صار كل ما يغضب الله مباحًا، تحت راية حرية الإبداع والخطاب الديني الجديد».

السجن الثالث: سجن الإنسان خلف أسوار المرض، «وما أكثر الأمراض التي انتشرت، وانعدام الرعاية الصحية».

السجن الرابع: سجن الشعوب خلف أسوار الاحتلال الوطني، والذي يصنف كأسوأ أنواع الاحتلال، والمعروف سياسيًا بـ«الاحتلال الأسود»، والذي تعيش الشعوب من خلاله في سجون بلا أسوار غرباء، في أوطانهم، وفقراء؛ فالفقر في الوطن غربة مواطنين بلا هوية أو ثمن.

السجن الخامس: هو سجن الإنسان خلف أسوار السجون محرومًا من أعظم كنز في الوجود، ألا وهو الحرية؛ فالسجن مقبرة الأحياء يعيش بداخله الإنسان، بلا أمل، ويموت، بلا ثمن، «وفي هذا حدث ولا حرج».

تحيا مصر؟

سؤال دائمًا يدور برأسي: لو مات المصريون فمن أين لمصر الحياة؟

من أول الخيط، الناس أم الأرض؟ لابد أن نحيا نحن أولًا؛ كي يكون هناك مصر لتحيا؛ فبدوننا لن يكون هناك مصر! ستكون هناك أرض فارغة خربة، مسمى أجوف لا أكثر، جثة هامدة، فنحن الحياة التي تدب بأوصالها، فلكي نحيا وتحيا مصر لابد من استئصال ذاك الورم السرطاني الذي يمنع عنا وعنها هواء الحرية.

تحيا مصر!

شعار يدل أننا نحيا داخل مجتمع مريض، لابد من تطوير وعيه وثقافته؛ فيصير الشعار «يحيا الإنسان»؛  فهو بناء الله في الأرض، والذي خلق كل شيء من أجله!

ثوروا تحيوا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!