سياسة الاحتجاج بين التظاهر والانتحار

هل الانتحار هو آخر وسيلة نلجأ إليها لإظهار الغضب والاحتجاج على الأوضاع؟

تمتاز الأنظمة الفاشية بقوة الدعاية لنفسها بأكثر من طريقة؛ أولها السيطرة على كل الأجهزة الإعلامية، وتكون طريقة الرد على الاتهامات الموجهة للنظام بالنفي أو بالهجوم على صاحب الاتهام، أو بالادعاء ونسب انتصارات مزعومة لشخصية ممثل النظام، وإلصاق بعض الصفات بشخصيته، والصفات يجب أن يحبها المجتمع ويشجعها، وفي الوقت نفسه تكون غير قابلة للقياس مثل الشجاعة، والقوة، والذكاء، والتدين، والرجولة، وغيرها من صفات يكون لها دلالة داخلية في عقلية المواطن نفسه.

الخطوة الثانية تكون بالسيطرة على الوسط الفيزيائي للدولة، والوسط الفيزيائي هو أي مكان ملموس يمكن للأفراد أن توجد فيه مثل المطعم، أو النادي، والمقهى، والعمل، وكذلك المساحات العامة مثل الحدائق والميادين، ووسائل المواصلات العامة… إلخ

لذلك تجد المدير في كل مؤسسة مواليًا ومؤيدًا تمامًا للدولة، وبالطبع لا يمكنك التحدث بحرية في المقهى أو الشارع كما أنك لا تثق في السائق، لذلك يسود صمت عام، بلدٌ بأكمله لا يتحدث إلا في الفراغ، نقاش من أجل التسلية وقضاء الوقت:

«الولاد عاملين ايه؟ محمد ابنك نجح في الدراسة؟ خطوبة خلود الخميس القادم لا بد أن تأتي» بلد بأكمله فقد كل ما هو مهم.

لذلك يلجأ المعارضون إلى السخرية وهي سلاح قوي، لكن بعد فترة تصبح النكات كلها قديمة لا تُضحك، وبعد فترة يشعر المعارض بالوحدة، وبعد فترة لا يجد ما يقوله!

لكن المثير للسخرية في الوضع أن جميع الأنظمة الفاشية تسقط وحدها وتقود نفسها للانهيار، مثل نظام هتلر، أو عبد الناصر.

كلها تسقط، لماذا؟ لأنها بنيت على نظام الدعاية مثلما حدث في النكسة؛ فبينما كان الشعب يجلس في المقاهي؛ ليسمع خبر دخول تل أبيب؛ كان اليهود قد سيطروا على سيناء.

لكن للأسف حين يسقط النظام الفاشي يسقط الجميع، ويتوه المجتمع في أزمة وجودية حقيقية بين هل أفعل ما أفعل كل يوم وما الهدف من ذلك؟ وترى المجتمع يذوب وينصهر بشكل يومي فلا تجد له شكلًا واضحًا يمثله؟

لكن ما الفرق بين الوضع الحالي والماضي؟

الفرق أن هناك قوة أخرى أضيفت إلى النظام؛  ألا وهي النظام العالمي، وأصبح الهدف المشترك تحقيق أكبر قدر من الربح.

دون النظر إلى الإنسان نفسه؛ مبادئه وأخلاقه، واحتياجاته النفسية وفلسفته في الحياة؛ دون النظر إلى الهوية الفردية التي تميزه.

لذلك نحن نُسحق من قوتين: قوة نظام فاشي يكتم الأنفاس، ويصدر قوته لكل مؤسسات الدولة الحكومية، لنجد في كل مؤسسة ضغطًا بشكل أو بآخر، وبين قوة الشركات التي تسحق الكبار وتسلب أموالهم فلا يروا أبعد من احتياجاتهم الأساسية ولا يستطيعون تخيل مستقبل خاص بهم، لتصبح كل آمالهم ومخاوفهم في الحياة سد احتياجات أطفالهم وتنشئتهم.

وبين الضغط على الشباب ليكتسبوا مهارات تؤهلهم للعمل والمنافسة في السوق، ويصبح الشعار: «من يحقق أكبر عائد للشركة؟»

وبالطبع مع فقد الحرية الفردية التي تميزنا وبين السعي اليومي الشاق، وبين الضغوطات في كل مؤسسة حتى في الأسرة لا يوجد مفر من الانتحار؛ نشاهد ذلك الشكل من الاعتراض بالانتحار في المترو، أو الشنق على لوحة إعلانية على طريقٍ سريعٍ، أو القفز من مباني الشركات، أو معالم تمثل قيمة ورمزًا للمجتمع مثل برج القاهرة.

أعتقد أن الشعب كله يعيش بشكل يومي، ليؤجل هذا القرار فقط، وأنا أنتظر اليوم الذي يقرر فيه الجميع الانتحار لنشاهد تلك الصورة الملحمية متجسدة للهزيمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد