بمعنى؛ إما أن تكون محبًا للجميع باختلافاتهم وتنوعهم وإما أن تبغض الجميع.

ليس هناك مبرر لأن تكره أحدًا لم يؤذك. تكرهه فقط لاختلافه الفكري أو الديني أو الطائفي معك.

ليس هناك مبرر أن تبكي على أربعة أشخاص ماتوا في تفجير في السعودية ولا تبكي على 300 شخص ماتوا في تفجير في العراق لأن من مات مختلف معك في مذهبك، أو أن تبكي على طفل قذف بيته بصواريخ النظام السوري ولا تبكي على طفل آخر ذبحه داعشي بالخوصة، أو أن تبكي على من مات غدرًا من مجندي الجيش المصري أو من الشرطة ولا تبكي لمن مات غدرًا أيضًا في ميدان رابعة وكافة ميادين مصر.

لسنا حيوانات على الطريقة «الداروينية» الإلحادية لنكون بهذه الوقاحة وبهذا البغض للآخرين. فنحن نمتلك نفخة إلهية من روح الله الذي اتسعت رحمته لكل شيء. فبالتالي لدينا آلية أن نكون محبين ورحماء للعالمين بكل اختلافاتهم وتنوعهم لكوننا نمتلك جزءًا من هذه الروح الإلهية.

لا يمكن للملحدين تفسير ظاهرة أن الإنسان لديه مقدرة على العطاء لغيره المختلف معه بدون أي مقابل. والتفسير الذي يطرحونه لهذا العطاء هو أن الإنسان يعطي غيره لضمان البقاء للجنس البشري وعدم انقراضه. فلنتأمل مثلًا قصة الأمريكية غير المسلمة «راشيل كوري» التي هاجرت إلى فلسطين لكي تنضم إلى الفلسطينيين وتدافع عن المظلومين. فما الذي يدفع شابة جميلة في مقتبل عمرها للموت من أجل أناس ليسوا من دينها ولا من بلدها؟

هل فعلت هذا لضمان بقاء النوع الإنساني وخوفًا عليه من الانقراض كما يدعي الإلحاديون؟

يتضح لنا من قصة راشيل كوري أن هذا التفسير أفضل وصف له أنه تفسير طفولي وعاجز وبائس. فكيف لإنسان أن يضحي بحياته فداء لأناس في آخر آخر أصقاع المعمور. أناس لا يعرف أسماءهم ولا أعراقهم ولا علاقة له بهم ولا يشبههم في عرق أو دين. يفعل هذا فقط لأنه إنسان. لأنه تمسك بفطرته السليمة المحبة للجميع ولم يتركها تنتكس. وهذا ما يسمى بالحب غير المشروط.

هناك فيديو على اليوتيوب عنوانه: «would you dare to question who you really are»

هذا الفيديو عبارة عن تجربة تمت على بعض الأشخاص المتعصبين لقومياتهم أو لدينهم أو بهم نزعة الفوقية. تجعلهم يعتقدون أنهم أفضل من الآخرين لأنهم بريطانيون مثلًا وما إلى ذلك.

التجربة عبارة عن أخذ الحمض الوراثي للشخص DNA الذي هو عبارة عن جزئين؛ جزء من الأم وجزء من الأب، وكذلك الوالدان حصلا على حمضيهما الوراثي من والديهما وهكذا…

حتى نعرف من هم أسلاف هؤلاء الأشخاص المتعصبين لقومياتهم وانتماءاتهم.

بعد أسبوعين من فحص الحمض الوراثي لهؤلاء الأشخاص الذين بهم الإنجليزي الكاره لألمانيا، والعراقي الكاره لليهود، والبنغلاديشي الكاره لباكستان، وغيرهم من مختلف الجنسيات.

تم جمع هؤلاء الأشخاص بعد نتيجة فحص الحمض الوراثي لهم وعرض النتيجة عليهم فكانت المفاجأة؛ أن البريطاني الكاره لألمانيا حمضه الوراثي فقط 30% من بريطانيا و5% من أصوله من ألمانيا. واكتشف معظم الناس أن لهم أصولًا من العرقيات التي يكرهونها، والمفاجأة أن هناك شخصين في الغرفة تبين أنهم إخوة بصورة مباشرة وهم لا يعلمون.

خلاصة هذه التجربة أن ما يجمعنا في هذا العالم من قواسم مشتركة أكثر مما نتخيل ولن يكون هناك تطرف في هذا العالم لو علم الناس إرثهم الحقيقي.
من يكره الآخر لاختلافه الديني أو الطائفي معه فهو لا يكره الشخص إنما يكره فعل الله بالشخص.

الله هو من جعلني أولد وأتربى في بيئة مسلمة سنية، والله أيضًا من جعل الآخر يتربى ويولد في بيئة شيعية أو مسيحية أو يهودية.

الله هو من جعلني أولد مصريًا وهو من جعل الآخر أيضًا غير مصري.

فلماذا نكره بعضنا البعض لمجرد الاختلافات التي لم نكن سببًا بها؟

يجب أن تكون كراهيتنا لمن ظلم وقتل واعتدى وليست كراهيتنا لطائفة معينة من الناس. حتى إن الدين المسيحي ينسف أيضًا هذا النوع من الكراهية حين يقول المسيح عليه السلام «أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم».

علينا أن ندرك أن الكراهية هي أصل كل الشرور. فالحرب الأهلية في الهند انتهت بالمحبة وانتهت كذلك في جنوب أفريقيا، ولن تنتهي الانقسامات في مصر والوطن العربي بغير ذلك فلا سبيل لنا سوى المحبة وتقبل الآخر كما هو.

مارتن لوثر كينج في نضاله من أجل حقوق الإنسان كان يقول:

I have decided to stick with love. Hate is too great a burden to bear.

يقول إنه قرر أن يمضي إلى الأمام بالمحبة فالكراهية أعظم من أن يستطيع تحملها.

ومارتن لوثر كينج كان شخصية عظيمة حقًا فقد أدرك أن الكراهية ثقيلة على النفس البشرية، وهي كما توصل إليه علماء علم النفس المعاصرون أنها شعور مرضي. فما من أحد يكره الآخرين إلا ويكون مضطربًا نفسيًا أو عنده معاناة داخلية لا تصل لدرجة الاضطراب. فهو في نهاية المطاف غير سويّ نفسيًا.

الكراهية أيضًا من الممكن أن تؤدي بك إلى الإلحاد فبعض الملحدين لا يلحدون لأن أدلة الإيمان لم تكفهم ولم يقتنعوا بها، إنما يلحدون لأنهم يكرهون الله ويكرهون فعل الله بهم. فهم يكرهون مظهرهم أو نسبهم أو أقدارهم. بمعنى أنهم يكرهون أنفسهم وهذا أعتقد أنه أفضل تفسير لقول الله عز وجل (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ).

فاللهم لا تجعلنا مِن مَن يكرهون ويَقتلون ويتناحرون لمجرد الاختلاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد