أتذكر جيدًا بداية معرفتنا التي تطورت سريعًا وتحولت إلى أخوة صادقة، وأتذكر أيضًا عندما أتيتِ إليَّ لتطييب خاطري بعدما أساءت إحدى الزميلات الفضليات فهمي ووبَّختني أمام زملائنا وزميلاتنا، وأتذكر أيضًا تحفيزك الدائم لي للعمل الجاد لأجل تلبية مُقتضيات رسالتي، وديمومة نصحك لي بالتخلص من الخجل الزائد، وأتذكر أيضًا مناقشتنا التي كانت تتحول إلى جدال حاد لا ينقضي إلا بعد تدخل زملائنا أو زميلاتنا أو بعد أن تستسلمي لوجهة نظري، سواء عن اقتناع أو هوادة، وأتذكر أيضًا مزاحك معي ووصفك لي بالشاب المعارض الذي لا يهدأ، وقلمه لا يسكت، ويلاحق الجميع، وأتذكر مبتسمًا إلحاحي عليكِ ومحاولاتي المستمرة في تعليمك اللهجة المصرية حتى انقلب الأمر وتعلمت أنا اللهجة الشامية.

وأتذكر مواقف كثيرة أخرى منها الطريف ومنها الجاد، كنا نحن أبطالها، رغم ما تكبده الشعب السوري من انتهاكات مفجعة تتعطل لغة الكلام عند وصفها بعد قيامه بثورته التي كانت تهدف إلى حلحلة نظام قمعي طال استبداده وجرائمه وفساده، وقائم على أنقاض النظام النازي المستبد وضعت قواعده (برؤية نازية)، إلا أني متوجه للثورة السورية بالشكر؛ لأنها أتاحت لي الفرصة للتعرف على أخت عزيزة تحتل في قلبي نفس المكانة المميزة لإخوتي الأشقاء وأقاربي وأصدقائي المقربين إلى قلبي.

شعرت بالأسى والحزن عندما أخبرتني بسوء معاملتك من قِبل بعض البائعين ومغالاتهم في بيع السلع إليكِ وإلى أسرتك الكريمة، وكنت أتخيل نفسي حاضرًا معكِ، لكي أحاول أن أتصدى لهذه الأساليب الرديئة المجردة من الإنسانية والنخوة، وشعرت بثوران في داخلي عندما أخبرتني أن إحدى الزميلات في الجامعة قالت لكِ: (ليه سبتي بلدك وجيتي عندنا هنا في مصر؟)؛ لأنك كنت ترغبين في الجلوس في مقعدك المعتاد، ولم تستطيعي الرد عليها، وهرولت إلى المقاعد الخلفية حتى لا تفتعلي أزمة أنتِ في غنى عنها.

وشعرت في مرة أخرى بالجذل والاغتباط عندما شاهدتك تنخرطين بروحك الطيبة الخفيفة في المجتمع المصري، وعندما رأيتك في مرة تنظمين حفل عيد ميلاد في الجامعة لإحدى الزميلات، وكنتِ أنتِ المسؤولة الأولى عن تنظيم هذا الحفل.

واندهشت منكِ عندما حدثتني وقلتِ لي إنه لا توجد صداقة بين الأخ وأخته، ولكن سرعان ما أفقت من حالة الاندهاش؛ لأني اكتشفت بعد ذلك أنه ليس من الغريب على مجتمع ذكوري أن تحدث فيه مثل هذه الحالات، وخصوصًا في ظل الديكتاتورية الذكورية المتفشية في الشرق.

أصبت بالقنوط والغضب عندما طلبتِ مني إلغاء الصداقة من على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) بعدما تهكمت بشدة على السفاح بشار في أحد المنشورات الخاصة بي، خشيةً من أن يظهر هذا التهكم على الصفحة الخاصة بكِ على (الفيسبوك)، فبالتالي من الممكن أن يطول القمع أحدًا من عائلتك المقيمة في دمشق، وتساءلت هل لهذه الدرجة وصل الحال في سوريا الحبيبة؟ هل ذريعة الخوف من النظام السوري (النازي) تفاقمت بين أبناء الشعب السوري لهذه الدرجة؟

ولكن سرعان ما رددت على نفسي بتساؤلات أكثر واقعية أليس ما يتعرض له الشعب السوري من انتهاكات مريعة كفيلًا بأن تشيب له الرؤوس؟ أليس تقرير منظمة العفو الدولية الذي وصف سجن صيدنايا أحد السجون السورية بالمسلخ البشري وأقر بأنه تم شنق نحو 13000 شخص سرًا في صيدنايا على مدار خمس سنوات، غالبيتهم من المدنيين الذين يُعتقد أنهم من معارضي الحكومة كفيلًا بنشر الخوف والرعب؟ لمَ لا تتفاقم ذريعة الخوف بينهم في ظل وجودهم في عالم لا قلب له؟

لست بمشفق على أختٍ عزيزة تعتبر نموذجًا للآلاف من أبناء الشعب السوري النازحين من أراضيهم ولكن أتساءل: ألا يكفي ما تعرضوا له من قهر وظلم؟ ألا يكفي ما تكبدوه من الجماعات المتطرفة التي تزعم أنها دولة الخلافة الإسلامية، ومن سفاح يزعم أنه رئيس شرعي؟ ألا يكفي ما تحملوه من معاملات فظة من بعض السكان وبعض الحكومات من دول العالم المختلفة؟ ألا يكفي ما تعرضوا له من آلام فراق أقرانهم ضحايا الحرب والقمع دون مساءلة الجاني؟ ألا يكفي وألا يكفي وألا يكفي؟… إلخ.

نحتاج إلى ضمير يسترد إنسانيتنا، أملًا في أن يأتي يوم يحاكم فيه بشار ونظامه في محكمة العدل الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد