توفي منذ أيام الدكتور محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وأول رئيس لها بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

وفي الحقيقة أنه في مثل هذه الظروف يعجز القلم عن الكتابة، وتعجز الكلمات عن الوصف، إلا أن الواجب يحتم علينا أن نعطي الرجل جزءًا من حقه، وأن نذكر أنفسنا ببعض الحقائق التي ربما نسيناها، وأن نكون بالمرصاد لمن يزيفون الحقائق ويزورون التاريخ، ولنبرئ ذمتنا أمام الله مما يفعل الظالمون.

إن الموت هو قدر الله الذي لا راد له، ولا اعتراض عليه، إلا أن موت الحقائق والضمائر هو الخزي والعار والذلة، فلن يرحمنا التاريخ، ولن يحترمنا أبناؤنا حينما يعلمون أن أول رئيس مدني منتخب في تاريخنا، والذي جاء بعد ثورة شعبية عظيمة، قد مات في محبسه على يد من انقلبوا عليه، في ظروف غامضة هي أقرب للقتل العمد، في محاكمة هزلية شكلية، وهو معتقل منذ ست سنوات، معزول عن العالم، لا يراه أهله ولا محاميه، ولا يعرف أحد عنه شيئًا، فأي عار سيلاحقنا وأية ذلة قد نزلت بنا. فدعونا نتحدث قليلًا عن هذا الرجل الذي اهتز لموته العالم، وتفطرت لأجله القلوب، لنتحدث عنه قبل وصوله للحكم، وأثناءه، وبعد الانقلاب عليه.

الدكتور محمد مرسي هو رجل وطني، مخلص، شجاع، يشهد له الجميع بطيب القلب، ودماثة الخلق، ولين الطبع، وبوطنيته وحبه لبلده، ولد مرسي في قرية العدوة بالشرقية في 20 أغسطس (آب) 1951، وحصل على كلية الهندسة عام 1975، وعمل معيدًا، ثم مدرسًا مساعدًا بجامعة القاهرة، ثم جامعة جنوب كاليفورنيا، وجامعة كاليفورنيا، وجامعة نورث ريدج بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم عمل رئيس قسم هندسة المواد بكلية الهندسة جامعة الزقازيق من عام 1985 وحتى عام 2010.

قضى مرسي حياته عاملًا في خدمة بلده، مدافعًا عن قضايا أمته، من خلال العمل السياسي، والعمل العام، ومن خلال جماعة الإخوان المسلمين التي كان عضوًا بمكتبها السياسي. وله تاريخ طويل من النضال، حيث اختير عضوًا بلجنة مقاومة الصهيونية بمحافظة الشرقية، كما اختير عضوًا بالمؤتمر الدولي للأحزاب والقوى السياسية والنقابات المهنية، وهو عضو مؤسس باللجنة المصرية لمقاومة المشروع الصهيوني كما انتخب نائبًا بالبرلمان المصري عام 2000، وكان متحدثًا باسم الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، واشتهر باستجواباته الشديدة، ومشاركاته الفعالة تحت قبة البرلمان، وكان معارضًا شرسًا لنظام مبارك.

كما شارك في تأسيس الجبهة الوطنية للتغيير مع عزيز صدقي عام 2004، وشارك في تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير مع محمد البرادعي عام 2010، كما شارك في تأسيس التحالف الديمقراطي من أجل مصر والذي ضم 40 حزبًا وتيارًا سياسيًا عام 2011.
وفي 30 أبريل (نيسان) 2011 انتخبه مجلس شورى الإخوان رئيسًا لحزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة.

تم اعتقاله لمدة سبعة شهور في عهد حسني مبارك عام 2006 أثناء مظاهرات للدفاع عن استقلال القضاء، كما كان ممن تم أعتقالهم ليلة جمعة الغضب 28 من يناير 2011.

لم يسع مرسي للسلطة قط، بل قادته الظروف لأن يكون مرشح الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية عام 2012بعد إقصاء خيرت الشاطر، ثم صار مرسي في جولة الإعادة من الانتخابات هو مرشح الثورة المصرية كلها، بعد انحسار المنافسة بينه وببن أحمد شفيق مرشح الثورة المضادة، فتوحدت قوى الثورة وشبابها خلف مرسي رغم الاختلافات الأيديولوجية، حتى تمكن مرسي من الفوز وشاء الله له أن يكون أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر. ومنذ تلك اللحظة بدأت أصعب مرحلة في عمر هذا الرجل المناضل، وفي عمر الثورة المصرية، بل ربما في تاريخ مصر كله، حيث أعلنت الثورة المضادة الحرب عليه منذ أول يوم، وحشدت كل أدواتها لإسقاطه، لا لذنب اقترفه إلا أنه مثل الثورة في هذه اللحظة، وحمل على عاتقه عبء تحقيق أهدافها، فبدأوا بإشعال الحرائق، وافتعال الأزمات، وتعطيل المصالح، وتضليله، وتشويهه، وتسليط الأذرع الإعلامية ضده، وإطلاق الشائعات، والتطاول عليه، وإظهاره بمظهر الفاشل الضعيف، ثم زرع بذور الشقاق داخل الصف الثوري، واستغلال النخب الفاسدة والإعلام المضلل، ورغم كل ذلك ظل الرجل صامد، يحاول حل المشكلات بهدوء، وكانت الفترة التي قضاها في الحكم خير دليل على نزاهته، وإخلاصه، وعدالته، فرغم كل ما مورس ضده، إلا أنه لم يقصف قلما، ولم يصادر فكرًا، ولم ينتقم، ولم يقص، بل حاول أن يكون توافقيًا قدر الإمكان، وحاول أن يجمع بين أهداف الثورة، وبين أن يحافظ على تماسك المجتمع واستقرار مؤسساته، وفي سياسته الخارجية حاول أن يتخذ لمصر خطًا مختلفًا عما سارت عليه عقودًا طويلة، فانحاز أكثر للقضابا العربية والإسلامية، وقضايا الشعوب وحقوقها، وحاول أن يجد لمصر دورًا محوريًا، وأن يخرجها من خط التبعية والانقياد، كما حاول الاقتراب من البسطاء، وأخذ حقوقهم، والوقوف إلى جانبهم.

كل هذا وحد أعداءه ضده، فتوحد ضده العسكر الطامعين في السلطة، وأصحاب المصالح وأرباب الفساد، والدولة العميقة والنظام السابق برجاله، والقوي الأقليمية والدولية التي لا تريد لتجربة مصر أن تنجح، وأصحاب الغيرة والحقد من السياسيين والنخب الفاسدة.

كل هؤلاء حاولوا إسقاطه وإفشاله، ولكنهم وجودوا أنه لن يستسلم، ولن يكف عن المحاولة، فقرروا الانقلاب عليه وخلعه، واستغلوا الشباب الثائر والإعلام المضلل، وبعض المعارضين والغاضبين، في خلق حالة وكأنها ثورة ضده، ثم انقلبوا عليه واستولوا على السلطة.

ونحن هنا لا ننزهه مرسي عن الخطأ ولا ندعي له عصمة، وإنما نقر باخطأء كثيرة له، وأن هناك معارضة حقيقية ضده كان لها رأي ووجاهه، ولكننا نقول إنه حاول واجتهد، فأخطأ وأصاب، وكان يقف بمفرده والجميع يعمل ضده، حتى رفقاء الثورة وزملاء الميدان تخلوا عنه، وتركوه وحده، ولم يدركوا خطورة الموقف، حتى أنهم شاركوا، بعضهم بقصد، وبعضهم بجهل، في الانقلاب عليه، ووضع السلطة في أحضان العسكر، الذين استغلوا الفرصة أحسن استغلال، وانقلبوا على الجميع بما فيهم من أيدهم وساعدهم.

وهنا تأتي المحنة الأكبر، والصمود والنضال الأعظم في تاريخ هذا الرجل، وهو موقفه المشرف والأسطوري من الانقلاب العسكري، والذي يضعه في مصاف المناضلين الكبار على مر التاريخ كمانديلا، وغاندي، وجيفارا، ونحن لا نبالغ في ذلك، وإنما نقر واقعًا، ونرصد أحداثًا عايشناها، ولكننا مغرمون بتقديس غيرنا، وتسفيه أنفسنا وأبطالنا.

رفض مرسي الانقلاب، وأعلن في كلمات خالدة أنه لن يخون الثورة، ولن يتنازل عن حق الناس في اختيار رئيسهم، ذلك الحق الذي قتل المصريين من أجل الحصول عليه، وأنه متمسك بشرعيته التي استمدها من اختيار الناس، وأنه مستعد أن يدفع ذلك من دمه وحياته.

وربما يقول البعض إنه قد تمسك بشرعيته حبًا في السلطة وطمعًا فيها، فإذا كان ذلك كذلك في بدء الأمر، فكيف الأمر بعدما قتل الثوار، وفعلت المذابح، وفقدت الثورة زخمها، واستقر الأمر للعسكر، وكيف وقد تعرض هو للتنكيل، والتعذيب، والقتل البطيء، أما كان له أن يتنازل فينقذ نفسه وأسرته، ويقضي باقي عمره في بيته، إنها كلمة هو قائلها ستنقذه من ما هو فيه، ولكنها شهادة زور رفض قولها، وكيف لمناضل عاش عمره في خدمة بلده أن يختم عمره بخيانة، أو أن يقر بباطل، أو أن يتنازل للفسدة عن الحكم، فظل الرجل صامدًا صمودًا أزهل العالم، وأربك الإنقلابيين أنفسهم، وأعطى للثورة الوقود الذي جعلها تستمر، وإن كانت الثورة قد هزمت في جولتها الحالية، إلا أنها تظل نار متقدة في النفوس، وثأرًا حاضرًا في القلوب، وبذرة سيأتي وقت قطافها، فلولا صمود الرئيس لاستسلمت وماتت في مهدها، وظلت مغمضة العينين ساذجة، لا تعرف عدوها، فبفضل هذا الثبات والصمود، كشف العسكر عن وجوههم الحقيقية، وعرف الناس من قتلهم ومن طعن ثورتهم، ومن يستبد بهم سنين طويلة، عرفوا عدوهم الحقيقي فأصبحت المعركة أكثر وضوحًا، والثورة أشد وعيا، لتكون تلك المعركة هي المعركة الأخيرة التي يخوضها العسكر من أجل بقائهم، فهم يزرعون في كل يوم بذور الكراهية، ويضعون لبنات الثورة في النفوس، والتي ستكون في مراحلها القادمة أشد وعيًا ونضجًا، وأعمق أثرًا.

بل إننا نسطيع أن نقول إن صمود مرسي وثباته لم يغير فقط من المعادلة داخل مصر، وإنما غير المعادلة إقليميا ودوليا، لتبدو الأمور أكثر وضوحًا، ولتخلع الأنظمة عنها الزيف وتبدو بوجوهها الحقيقية، المستبدة القاتلة.

تحمل الرئيس مرسي في سبيل موقفه هذا الكثير والكثير، من صحته وحريته، ست سنوات مختطفًا لا يعرف مكانه أحد، محروم من الزيارة، والرعاية الصحية، يتعرض للانتهاكات والضغط، والأذى النفسي والجسدي، لكنه ظل صامدًا، ما باع وما فرط، حتى جاءت اللحظة التي قرروا فيها التخلص منه عندما لم يجدوا معه سبيلًا، فنحن على يقين أنهم قتلوه متعمدين، قاصدين، مدبرين حتى تنتهي الثورة تمامًا، وتنتهي تلك الغصة التي يضغط بها الآخرون عليهم، وحتى يغلق هذا الملف، وتوضع الترتيبات النهائية لصفقة القرن، وقبل بطولة ألأمم الأفريقية التي ستلهي الناس وتجعلهم ينسون ما حدث، وعندما تأكدوا ألا مقاومة ستحدث، ولا أحد سيتحرك، وأن الجريمة ستمر كما مر ما قبلها من جرائم، قتلوه إما بالأهمال المتعمد والمنع من العلاج و الدواء، أو بأية وسيلة أخرى، فهم قتلة سفاحون لا يتورعون عن فعل أي شيء. مات في قاعة المحكمة وهو واقف على قدميه، ثابت، صامد، رافض لزيفهم وضلالهم، طالبًا منهم أن يعطوه فرصة أخيرة يخاطب فيها الناس، ويعلن لهم الحقائق، محدثًا القاضي الفاسد المجرم عما يتعرض له من انتهاكات ومحاولات للقتل. سقط مغشيًا عليه ليستريح الجسد، وتستريح الروح من عناء هذه الدنيا الظالم أهلها، ولتستريح روحه في جوار ربها، ليحكم الله بينه وبين من ظلموه يوم القيامة، وليعوضه عما رأه ويجزيه خير الجزاء.

مات بعد أن خط اسمه بحروف من نور في سجل الأبطال والمناضلين العظماء، مات كميتة عثمان، وذنبه في رقبة من ظلموه وفي رقابنا جميعًا أيضًا، مات وترك في الحلوق غصة، وفي القلوب ألمًا، وفي العيون دمعًا على فراقه، وعلى فراق كل شهداء الثورة.

مات ليكون موته شهيدًا على ثورة اختنقت حتى كادت تموت وهي تستصرخ أبناءها، ولربما يكون موته باعثًا لها من جديد، وموحدًا لأبنائها، ولعنة على الظالمين.

فرحمة الله على الرئيس الشهيد البطل محمد مرسي، وأرنا يارب انتقامًا من الظالمين، وثورةً تقتلع عروشهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد