تعال نفتح كتاب التاريخ، ونختبئ فيه، ونختر حقبة زمنية أخرى، ونتسلل إلى عصر آخر .

تعال أفتح لك دفاتري وأعرفك إلى أبنائي وبناتي منك، وقصائدي الممنوعة بك وكتاباتي التي لم يقرأها قبلك بشر.

تعال أتجول معك في طرقات وطني، وأعرفه إليك، وأهمس له يا وطني هذا الرجل وطني !

تعال أعترف لك كم تمنيت أن أزور وطنك متخفية برداء الليل وظلمة الطريق؛ كي أراك من بعيد!

هذه بعض كلمات تُنسب لكاتبة إماراتية تدعى شهرزاد، أجمل ما في كلماتها بالنسبة لي هي جملة تعال نفتح كتاب التاريخ ونختبئ فيه، كثيرًا ما كان يخبرني جدي عن أهمية أن أعيش التجارب وأهتم بها في مدرسة الحياة، هي أهم المدارس التي نمر بها وإن لم أستطع أن أخوض التجربة فلتقرأها في كتب التاريخ فكل كتب التاريخ تحمل بين طياتها حيوات أخرى.

دائمًا ما تكون كتب التاريخ هي خير أنيس لي وأقربها إلى قلبي، ولذلك سأحاول معكم اليوم فتح بعض كتب التاريخ ونتعلم كيف نقرأ التاريخ، ولكن في البداية أود أن أخبركم قليلًا عن قادة اهتموا بالتاريخ، فمعاوية كان دائم الجلوس بعد صلاة الفجر للقراءة في التاريخ، إذ كان يأتيه يوميًّا عُبيد بن شريّة الجرهمي، فيقرأ عليه أخبار الملوك القدماء وأحوالهم وحروبهم، وأعتقد أن من أعظم مقولات الإمام الشافعي «من قرأ التاريخ زاد عقله وقل خطؤه»، وذكر ابن خلدون أيضًا «اعلم أن فنّ التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء لمن يرومه».

سنة 1962 ألف وارس – مؤرخ ومؤلف أمريكي – كتابًا اسمه «التاريخ أثره وفائدته» تحدث فيه كثيرًا عن أهمية تعلم التاريخ وأن لابد للقادة والساسة أن يكون جزءٌ من دراستهم وقراءتهم متعلقًا بالتاريخ، ونصح بأن من يعتلي المناصب السياسية والعسكرية هم من يتخصصون في التاريخ،ذكر وارس في كتابه أمثلة كثيرة عن قادة لا يعلمون عن التاريخ شيئًا ولذلك هم أمام تجربتهم الشخصية فقط، وأثر ذلك كثيرًا على الخروج بكثير من القرارات الغبية والمدمرة لشعوبهم.

ذكر وارس تجربة تشرشل وهو أحد القادة ممن استهواهم التاريخ فأحبه وقرأه واستوعبه، وتحدث عن أن القادة والعسكريين المتخصصين في التاريخ حققوا لبلدانهم وشعوبهم الانتصارات والتقدم والخير الوفير.

أعتقد أن من قرأ في حروب الأيوبيين والصليبيين فلن يختلف الحال كثيرًا عن هذه الأيام وكما ذكرها أحد السلف:-

كُلُّهُمُ أرْوَغُ من ثَعْلَبٍ * * * مَا أشْبَهَ الَّليْلَةَ بِالبَارِحَهْ

محمد الفاتح أحد القادة المحببين لي ولكثير من أبناء جيلي، ولكن لبداية جهلي عن سبب تسميته بمحمد الفاتح جعلني أهتم بأن أنهي مجموعة مجلدات تتحدث عن تاريخ الدولة العثمانية فقط لأني اكتشفت أن اسمه الحقيقي هو «محمد بن مراد الثاني» وسمي بمحمد الفاتح بسبب فتحه قسطنطينية، وكذلك الكثير من المفاهيم التي تصححت لدي منذ اهتمامي بالتاريخ.

وبسبب الجملة الشهيرة لبعض القادة الطغاة «التاريخ يكتبه المنتصرون» يجعلك أن تتأكد مما تقرأ وأن تُعمل عقلك على فهم ما تقرأ. فكيف لحرب كاملة تقوم بين جيشين بهم أكثر من 100 ألف مقاتل في الجيشين داخل وادٍ لا يتسع لمائة فرد، كثيرًا ما زيف هؤلاء الطغاة وهؤلاء المستشرقون في تاريخنا الحديث.

وأعظم ما يميز هذه الأيام هي سهولة الحصول على المعلومة والتواريخ المطلوبة بسبب التطور الهائل وتوفر كل ما نتمناه حولنا، وأخيرًا إن أجمل ما في هذه الأيام أن قلم التاريخ أصبح في أيدينا وعلينا أن نسطر تاريخنا بأيدينا كي نعلمه لأولادنا ونخبرهم كيف يكتبون تاريخهم.

إلى اللقاء في دعوة جديدة من التاريخ في صحبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد