لم تكن ثورتنا اجتماعية وسياسية فقط، بل كانت ثورة على كافة النواحي، ثورة فكرية وثقافية وسلوكية أيضا؛ مما أدى إلى حدوث الصدام الفكري والثقافي من جديد بين جيلين متناقضين تماما، جاؤوا في ظل ظروف اجتماعية مختلفة؛ فلا هم استطاعوا مواكبة ذلك التطور المجتمعي والتكنولوجي، ولا نحن كجيل شاب يمضى قدمًا نحو مستقبل مجهول استطعنا أن نستمتع معهم بذكرياتهم عن الأيام الخوالي، تلك التي لم نحبها يومًا ما دامت لم تفدنا بشيء في وقتنا الواقعي الذي نعيشه، وأصبحوا هم المُلامين لأنهم ظلوا صامتين سنين طويلة غير عابئين بما يدور حولهم، يتكلمون همسًا مخافة أن يسمعهم أحد، وينتظرون بفارغ الصبر مرور الأيام والسنين لعل الحمل الذي وُضع فوق أكتافهم يزول عنهم أو “يأخذهم الله فيستريحوا من كل هذا”، عندما يضيق بهم الحال؛ تعودنا أن نسمع دومًا هذا الدعاء الذي لا يقدم ولا يؤخر غير أنه فقط يبث الخيبة في نفوسنا عندما لا نستطيع المواجهة فما علينا إلا أن نتمنى الموت.

أنا هنا أذكرهم لا لألومهم، لأنهم أيضا كانوا ضحايا جيل سابق لم يقم بزراعة نبتة مثمرة في أرض خصبة؛ واكتفى فقط بحرث وحصاد ما يجده في طريقه، وهكذا تُسلم أجيال أجيالًا أخرى زمام الأمور، أما نحن، فأتساءل دوما ماذا عنا؟! ماذا لو بقي الوضع كما هو عليه؟
نستمر في اللوم والعتاب وإلقاء التهم وإقامة المناظرات حول صراع الأجيال وتأثيره علينا وما ترتب عليه، وننسى أنفسنا وننسى ما علينا القيام به لنا وللقادمين من بعدنا.

وفي ظل عالم مليء بالتناقضات والصراعات والحروب، وفي ظل مجتمع لا يبشر مستقبله بأي خير ومنقسم على نفسه، ويحمل بين طياته شتى التناقضات وكافة أشكال الازدواجيات، ويعيش به شباب ورجال ونساء أصبحوا عبارة عن كتل من اليأس؛ تعلموا أن ينتظروا مُضي الأيام والسنين أيضا، تراهم فقدوا أحلامهم وسط حُطام اليأس والخنوع والفساد الذي أصبحوا يتنفسونه كل يوم كالأكسجين فامتلأت صدروهم به وأصبحوا يستنشقونه ويزفرونه، فأثقلهم الوهن والهم أكثر من اللحم والدم.

ومع كل ذلك يأتي كل دقيقة طفل بريء ليضاف إلى تعدادنا السكاني ويصبح رقمًا من ضمن السجلات، ولا يعرف هؤلاء الذين مُنحوا هذا الطفل أنهم يحملون بين أيديهم حكمة الله في الأرض، أن يولد طفل جديد معناه أن هناك دومًا أملًا جديدًا ما دامت السماء تستطيع وما زالت قادرة على العطاء، أن يولد طفل كان وما زال أحد أهم المناسبات التي يحتفل بها الناس، وأيضا كان الأمل والخلاص لبعض الناس الذين ينتظرونه، أو نذير شؤم لأناس آخرين، تمامًا مثل ما سمعناه في قصص الأنبياء والأساطير التي نُسجت حول ميلاد طفل وكينونته ومستقبله، أن يولد طفل ليس بالأمر الصعب، فالأطفال يأتون إلى الحياة كالدمى يتحكم بها أولئك الذين يمتلكونها، فيتطبع الطفل بالجو والظروف والبيئة المحيطة به؛ فينشأ تمامًا نسخة طبق الأصل مستجيبًا لما يتعرض له من أفكار واتجاهات، أو التصرفات المختلفة التي يستقبلها ويعايشها.

ولكن أن تأتي بطفل إلى هذا العالم وأنت على دراية بما ينتظره في الحياة، فإنه مشروع طويل المدى لا يعرف مدى نجاحه إلا من بلغ الحكمة في الحياة. أن تأتي بطفل أسهل ما يكون عند معظم الناس، وإن تربيته أيضا قد تكون أسهل من الإتيان به؛ فما عليك سوى أن توفر له المسكن والمأكل والمشرب، وحتى إذا لم يتوفر لدى البعض هذه الظروف الطبيعية، فهم يفضلون الإتيان بأطفال ليؤنسوا وحشتهم في الحياة فقط.

أن تأتي بطفل هو بداية لعمل مشروع، وأن تكون لديك القدرة والإمكانيات على تربية هذا الطفل فهذا هو الاستثمار، أنت لا تحتاج أن تكون مليونيرًا لتربي طفلا في هذا العالم، أنت تحتاج أن تكون عاقلًا حكيمًا. أن تربي طفلًا، معناه أن تفكر مليًا كيف ستربي عقلًا لا جسدًا.

أن تربي عقلًا قادرًا على أن يستوعب معنى الحياة بكل ما تحتويه من تضادات، أن تعلمه أن ينظر لكل شيء وعكسه، وأن يستوعب المعنى وأن يتعلم رغمًا عنه، وأن يقرر ويفكر بنفسه، وألا يدع فرصة أمامه إلا ويخوض تجربتها، وألا يندم على شيء ما دام لديه القدرة على الإتيان بغيره، وأن يعتمد على نفسه لا عليك لكي يشعر أنه حر طليق، وأن يتعلم كيف يتنفس الحرية ويستمتع بها ويناضل من أجلها بروحه وفكره.

وأن تجعله يشعر بالوحدة والألم والحزن والغضب؛ ليتعلم كيف يفرح وكيف يتأمل. وأن يُجرب الخطأ بنفسه لا أن يسمع عنه ويتجنبه، وألا يتملق أحدًا ولا يجامل ولا ينافق.

وألا تكون المادة محور حديثه وحياته كي لا يدمر نفسه بحثا عنها، وألا يكتفي بالسعي حتى ينال ما يريد فعليه أن يعرف كيف يقتنص الفرص، وألا يعتقد أن الآخرين أوفر حظًا منه لأنهم ولدوا هكذا؛ فأحيانا يكون حظنا في الميلاد هو سبب وصولنا للحكمة التي نتعلمها.
ومن أجل ذلك فما علينا سوى أن نفكر في الحصاد عندما ننظر إلى أطفالنا الحاليين أو الذين لم يأتوا بعد، لأننا لا نوجه نظرنا إليهم فقط ولكن إلى المستقبل الذي ينتظرهم ولمن سيأتي من بعدهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد