عشرةُ أعوامٍ كاملةٍ من الحصار فُرضت على غزة، تخللها ثلاثةُ حروبٍ داميةٍ مُورست بحق شعبٍ أعزل، هذه العشرةُ أعوام لمْ تَفُتَ من عضُدِ هذا الشعب الذي لُقّب على مر الزمان بشعب الجبارين، شعبٌ تفنن في مواجهة كل المؤامرات التي تحاك ضده، وصنع من عجزه بطولاتٍ مشهودة خلال سعيه لانتزاع حريته المسلوبة، تمثلت هذه البطولات في الانتصارات المتكررة التي حققها الشعبُ من خلال مقاومته طيلةَ ثلاثةَ حروبٍ، وانتصارات أخرى على أكثر من صعيد.

لم تبالغْ غزة في تسمية مخرجات حرب الفرقان بـ “الانتصار”، حيث تعتبر حرب الفرقان الحرب الأولى التي شهدها الشعب الفلسطيني في غزة والتي بدأت بمجزرةٍ بحق الإنسانية، فقد كان من المقرر أن تقضي هذه الحرب على مخرجات الانتخابات الفلسطينية والتي أفرزت التيار الإسلامي ممثلاً بحركة حماس، وتجهّز جميع الحاقدين وأخذ كل واحد منهم موقعه لكن الله عز وجل أراد خلاف ذلك، بل مكّن عباده في أرض غزة ومنع دون تحقيق مُنَى الأعداء والمتآمرين، ولم تفشل حماس بشعبها رُغم أن المصاب دخل كل البيوت وقد كان جللاً!

أن تمنعَ عدوك من تحقيق مآربه ومن لَيّ ذراعك هو انتصارٌ بحد ذاته، ومن هنا كان الانتصار في حرب الفرقان، واستكمالاً لمشاهد الانتصار ومحاولة انتزاع الكرامة فقد أبدع الغزيون في مواجهة الحصار الذي تمثل في عدة أذرع كان من بينها وأعنفها قطع الكهرباء الذي تأثر بسببها العديد من المرضى الذين كان قطع الكهرباء سببًا في موتهم، وكذلك حالات الحرائق التي أصابت المواطنين جراء استعمالهم الشموع، وكذلك المولدات الكهربائية.

من المعلوم أنه عند دراسة عامل ما يجب تثبيت العوامل الأخرى للحصول على نتائج دقيقة، لكن كيف يكون الحال عندما تزدوج هذه العوامل وتجتمع؟ حيث إن ازدواجية عناصر الحصار ساعدت على تفاقم الوضع في غزة؛ وبالتالي كان على الغزيين مواجهة الأزمة المتسلسلة بطرق ابتكارية من شأنها تقليص المعاناة وتحجيمها.

 

الحاجة أم الاختراع

  • كانت الحاجة ماسة لتوفير الكهرباء؛ فبدأ الجميع باستعمال المولدات الكهربائية متجاهلين صوتها المزعج وخطرها على الصحة، لكن هذه المولدات بحاجة إلى وقود لتتمكن من العمل وهذا الوقود تم منعه – هذه إحدى صور ازدواجية المعاناة التي تحدثنا عنها سابقـًا – فهنا بدأ البحث عن وسيلة جديدة لقهر الحصار فبدأ العمل باستعمال البطاريات من أجل الحصول على إنارة بديلة.
  • بعد قطع الوقود عن غزة تأثر قطاع المواصلات تأثرًا ملموسًا من حيث ارتفاع تسعيرة المواصلات، وكذلك شح السيارات العاملة على الطريق؛ فلجأ الجميع لاستعمال زيت الطعام من أجل حل تلك الأزمة رُغم خطورة هذا الحل، وكذلك تم اللجوء إلى استعمال غاز الطبخ في تشغيل محركات السيارات مما أدى إلى شحه، رغم أنه شحيح بالفعل، وبسبب شُح غاز الطبخ وتوفره حينًا وانقطاعه أحيانًا كثيرة جعل الجميع يلجئون لاستعمال النيران من أجل إعداد طعامهم.
  • بارتفاع معدل البطالة وارتفاع عدد الخريجين إضافة إلى قطع الرواتب ظهر مفهوم العمل الحر الذي لجأ إليه الأغلبية من أجل الحصول على عمل يتحدى فيه الحصار.
  • باشتداد الحصار وضيق عنق الأنبوبة بسبب غلق المعابر والحدود؛ فقد تم اللجوء إلى حفر أنفاق تجارية تهدف لكسر الحصار تعبر من خلالها البضائع التجارية ويتم من خلالها تصدير منتجات القطاع للخارج، لكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تم مواجهته بعنف شديد وتم إغراق القطاع بالمياه لمنع أية استفادة تُرجى من هذه الأنفاق الإنسانية رغم ما تحمل من موت داخلها، لكنها ستساهم في تخفيف حدة الحصار كما يعلم الجميع.

بالرغم من أن الحاجة جعلت الجميع يفكر في أي حل يحفظ للإنسانية في غزة حقها في حرية كامل أمورها وشئونها، إلا أن الوضع ما زال قائمًا والحصار ما زال في أَوُجُه، ومقاومة الغزيين يزدادُ عنفوانها كلما زاد الحصار واشتد، وهي معادلة الخاسر فيها هو العدو، وبالرغم من ذلك فإن الغزيين على قناعة تامة بأن الله عز وجل يصنعهم على عينه؛ فباشتداد الحصار يُوجد الله لهم مخرجًا يُسيّرون به الحياة للأمام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد