في العجلة السلامة

ومن مكر المشكلات أنها تكبر بصمت، لا ضجيج ولا صخب كي لا تلفت الأنظار، فإذا ما اشتد عودها تشابكت أغصانها وتداخلت فروعها فأغلقت جميع المنافذ وحجبت الرؤيا، عندها فقط ننتبه لها متأخرين بعد أن خدعتنا بضآلة حجمها وخفوت صوتها فمارسنا السكوت عنها بسذاجة ولا مبالاة. لم ندرك وقتها أن التشخيص المبكر لأي إشكالية نصف العلاج والحل، وأن إهمال الضرس المصاب منذ البداية قد يحوجنا إلى إجراءٍ جراحي لاحقًا إذا تمكن الالتهاب منه ووصل ألمه إلى العصب.

لا سذاجة أكبر من تجاهُل الأعشاب الضارة التي بدأت تنمو وتزاحم ورود الحديقة، فرصة سانحة لها كي تتمدد وتستهلك الماء المخصص للورود، ثم فجأة نتذكر! نقرر إزالتها بعد أن شوهت جمال الحديقة! أنت أمام تحدٍ تحتاج معه إلى إمكانيات كبيرة وجهود مضنية للتخلص من هذه الأعشاب، قد تضطر لاقتلاع بعض الورود بعد أن تشابكت أغصانها وتداخلت جذورها مع هذه الأعشاب.

لا أسوأ من الوصول المتأخر!

إبقاء المشاكل دون حلول صبر في غير مكانه، والسكوت المذموم عنها يعني أن الخسائر لا محالة ستزداد وتتراكم دون توقف ودون أن نشعر بها حتى تصبح هذه الخسائر فادحة ومؤلمة وحتى يصبح تعويضها صعبًا ومرهقًا، احتجاز الماء خلف السد دون تصريف سيفضي حتمًا إلى الفيضان. المشاكل تنمو وتتفرع وتتشابك إن لم تجتث من أرضها وكلما أعطينها مهلةً إضافية فكأنما نترك لها الحبل على الغارب كي تأخذ نصيب الحب من الماء والشمس.

البعض يتجاهل النار المشتعلة مؤملاً أن تنطفئ وتخمد من تلقاء نفسها، هذا التعامي المستند على جدار أمل خادع يمنح هذه النار الفرصة كي تنتشر وتمتد وحين تحين ساعة الحقيقة المتمثلة في قرار التدخل لإطفاء النار يكون الأوان قد فات، النار تمكنت من الأشجار حرقًا وتشويهًا وما قرار إخمادها إلا محاولة يائسة جاءت في الوقت بدل الضائع، لم تعد المهمة إخماد النار بل محاولة ترميم وإصلاح ما أتت عليه وتعويض الخسائر الفادحة التي لحقت بأرض الحب الخضراء، المهمة الآن أن نعود لنقطة الصفر ونبدأ في استصلاح الأرض والزراعة مرة أخرى.

العلاقات الصلبة لا يهدمها موقف واحد كما نظن بل يهدمها التراكم والتأجيل فقطرة الماء التي أفاضت الكأس لم تفعل ذلك مع كأس فارغة، بل مع كأس ملأها الماء على مهل، وجرام واحد لا يقلب كفة الميزان ما لم يكن يئن تحت ثقل الأوزان من الأساس. التراكم هو ما يدفع الأمور إلى نهاياتها.

كثير من المشاكل الأسرية بين الزوج والزوجة وبين أفراد العائلة الواحدة تبدأ صغيرة فيتم التغاضي عنها وإهمالها، لا ندري أن الأشياء التي وقرت في النفس مهما كانت هامشية فإنها لا تندثر ولا تذوب بل تبقى هذه الرواسب عالقة في داخلنا حتى تأتيها الفرصة لتعكر القلوب الصافية. هذه الرواسب الصغيرة لا حل معها سوى التنظيف والتنظيف يقتضي المصارحة والمكاشفة منذ البداية، لأن هذه الرواسب معرضة للتماسك والنمو والتصلب تمامًا كما تفعل الدهون مع الشرايين، فإن لم نعالجها منذ البداية فكأنما نعطيها الفرصة لإغلاق الطرق وقطع العلاقات، بل نمنحها الإذن لتصيب علاقاتنا بالسكتة وعندها لا ندري إن كانت محاولة الإنعاش ستجدي نفعًا أو أنها ستصبح إجراءً متأخرًا بعد أن سبق السيف العذل!

حين يتعلق الأمر بأي مشكلة تطفو على سطح الحب والعلاقات بين الناس فالحكمة تقتضي أن نقلب الامور رأسًا على عقب لتصبح السلامة في العجلة والندامة في التأني. وكما أن «خير البر عاجله» فإن فلسفة الحب وحكمته مع أي مشكلة تقتضي أنّ: خير الحل عاجله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد