ربما تجلب لكِ هذه السطور الشتائم مرة أخرى، وربما تثير في ذهنك كثيرًا من علامات الاستفهام، يرجع مصدرها إلى أن معرفتي بكِ لا تسمح أن أتذكرك في وقت لا تكوني فيه «التريند» على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أننا لم نلتقِ قبل ذلك، ومع ذلك فإنني منذ وفاتك أفكر فيما تعرضتِ له خلال الأسابيع الماضية بصورة مستمرة، وتأخري في الكتابة إليكِ مردّه إلى ظروف شخصية حالت دون الكتابة إليكِ خلال الفترة الماضية، ولكن هذه الظروف لم تمنعني من متابعة كثيرًا مما كتب عنكِ منذ اعتزالك الحياة في منتصف يونيو (حزيران) 2020م.

لم تكن واقعة اعتزالك الحياة هي بداية معرفتي بكِ، فمعرفتي بكِ ترجع إلى بداية عهدي بالكتابة، حين نشر لي مقال في أحد المواقع الصحفية العربية، في الوقت نفسه، الذي نُشر لكِ فيه مقال، استهواني آنذاك عنوان مقالك، وتفاجأت عند قراءة مقالك، بأنه خارج عن المألوف، بل كان محتواه عبارة عن تكسير لتابوهات المجتمع، فبمجرد أن انتهيت من قراءة المقال، هرولت إلى قراءة التعليقات عليه، التي كانت جميعها عبارة عن شتائم موجهة إليكِ، باعتبارك الفتاة الفاجرة المارقة على تقاليد الأسرة المصرية بدون ضابط أو رابط، أو حاكم يشكمها، حاولت آنذاك أن أبحث عن صفحتك على «فيسبوك»، لكي أستفسر منكِ عن أسباب كل هذا الهجوم، وذلك لأني لم أجد سببًا لكل هذا الهجوم، ولكن جهودي التي فترت بفعل خجلي لم تساعدني للوصول إليكِ لمراسلتك.

نسيت بعد فترة هذه الواقعة في خِضَمّ الحياة، إلا أن اسمك ظل مرتبطًا في ذهني بهذه الواقعة، وبعد عدة سنوات من هذه الواقعة تفاجأت بكِ، تعودي إلى الكتابة عن طريق مدونة مصرية كنت حتى وقت قريب أكتب فيها باستمرار، قرأت لكِ ما كتبتِه على هذه المنصة، وكنت مبهورًا جدًا بسعة اطلاعك؛ التي جعلتني أشعر بالضآلة أمامك، وحاولت مرة أخرى أن أكتب إليكِ، لأعرف منكِ أسباب الهجوم المتكرر عليكِ، ولكن شجاعتي لم تسعفني للكتابة إليكِ، ولكن فيما بعد؛ حين وجدت صفحة حركة الاشتراكيين الثوريين تنعيكِ على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، كنت أول من ترحم عليكِ في التعليقات على خبر وفاتك.

لم أتوقع آنذاك أن عبارات الترحم عليكِ ستقابل بكل هذا العداء والهجاء والسخرية، ولم أفهم في بادئ الأمر أسباب هذه العداوة، ولكن عرفت بعدها بدقائق، أن هذا يرجع إلى كونك مثليَّة، وملحدة على حد مزاعمهم، فقلت بيني وبين نفسي، وللزملاء الذي أخذوا في سبابك، وهل هذا بعيد عن من وسعت رحمته كل شيء، ولكن فاجأني بعض الزملاء بنشر آيات قرآنية تحض على عدم الترحم على من كفر بالمولى عز وجل، لا أخفى عليكِ أني ارتبكت للحظات، ولكن صمدت ليوم كامل أمام سيل الكراهية والسباب الموجه إليكِ، لدرجة جعلتني أنا الآخر أدخل في نوبة من السباب لكل من يشنع عليكِ، أو أشعر أنه يحرض على التشنيع عليكِ، ولكن بعد فترة قصيرة قررت أن ألزم الصمت؛ لأني اكتشفت أني كنت أحد الأسباب التي جلبت إليكِ الشتائم في عالم لم يرحمكِ بعد أن فاضت روحك كما لم يرحمكِ وأنتِ مازلتِ على قيد الحياة، كما أنني شعرت أني تصادمت مع قواعد شرعية مستقاة من آيات قرآنية ذات دلالة قطعية كما يزعم البعض، ولكن هذا قبل أن أسمع رواية أخرى؛ أن هذه الآيات كانت تخص وقائع معينة في زمن معين ولا ينبغي علينا أن نقيس عليها.

أيًّا كان مَن منهم على صواب، فواقعة اعتزالك الحياة جعلت مجتمعنا؛ الذي لو افترضنا أنه إناء ينضح بما فيه من قسوة ووحشية ودجل، وإن كنت لم أتفاجأ برد فعله حين علمت الأسباب التي أسس عليها رد فعله، فأنا نفسي وُصِمت بكل مرادفات الجنون لمجرد أني أتحدث بصورة لا تروق لمن حولي، فما الوضع بالنسبة لمن اعتنق أفكارًا مثل أفكارك، وكان صادقًا في التعبير عنها، وهنا لا أستطيع أن أستسيغ أفكارك من قريب أو من بعيد، ولكن في الوقت ذاته من غير الممكن أن أنفر منكِ، أو أتنمر عليكِ، أو أمارس أي نوع من الإرهاب الفكري عليكِ، فلكِ كامل الحرية في الاعتقاد بما تشائين من أفكار، ولي كامل الحرية في قبول أفكارك أو رفضها، وهنا أنا لست أهلًا حتى أناظرك وأحاول أن أقوض قناعتك أو أفكارك في هذه المساحة، بالضبط مثل وكيل النائب العام الذي كان يحقق معكِ بعد واقعة حفلة مشروع ليلى، ولكن كما تعلمين أن أي شخص في مجتمعنا يتولى منصب من المناصب يخيل إليه أنه يعلم علوم الدنيا والآخرة، على الرغم من أنه أقصى ما يجيده هو السخرية منكِ، وغض طرفه عن التحرش بكِ والاعتداء عليكِ بالضرب في زنزانتك.

وفي معرض الحديث عن تعامل من يمثل الدولة معكِ بصورة غير إنسانية؛ فإن التعامل غير الإنساني لم يقف عند ممثلي الدولة فحسب، فمعارضو النظام الحالي الذين ينتمون إلى فصائل الإسلام السياسي، اتخذوا المنحى ذاته عند وفاتك، فمنهم من وضع معاناتك في مواجهة مع معاناة السوريات أي أنه من باب أولى التعاطف مع السوريات، وذلك باعتبار أن التضامن، والتعاطف مع المعاناة عبارة عن رصيد من الممكن أن ينفد، طبقًا لتعبير الصحافي محمد أبو الغيط، دون أن يرهقوا أنفسهم بمزيد من البحث عنكِ، لأنهم لو كانوا قد بحثوا عنكِ لوجدوا أنكِ كنتِ تنضمين لتظاهرات تضامنية مع الشعب السوري، ومنهم من وضعك مع السفاح فرعون في قالب واحد، ومنهم من كان يرى أنكِ أنتِ التي أنهيتِ حياتك بيدك؛ لذلك فإنكِ لا تستحقين التعاطف أو التضامن بالرغم مما تعرضتي له من تعذيب وتنمر وتحرش، أفضى بكِ إلى الاكتئاب، الذي بلغ بكِ إلى درجة لم تُجدِ العقاقير الطبية معكِ نفعًا، فاضطر الأطباء إلى تعريضك لجلسات علاج بالكهرباء، وفقًا لما قالته صديقتك الصحافية نوارة نجم.

من خلال المنطق ذاته هناك من كتب مُعلقًا على عبارات الترحم عليكِ، أننا من الأحرى أن نهتم بالفقراء الذين يتضورون جوعًا، وهو لا يعلم بالطبع دأبك على تضامنك مع المظاليم والفقراء وانتماءك إلى حزب يساري، هذا ناهيك عن كونك إحدى المشاركات في تظاهرات ثورة 25 يناير 2011م؛ التي كانت أهدافها الرئيسة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، فهذا كله أكد لي أن السواد الأعظم – إنْ لم يكن جميع من قاموا بتوجيه السباب لكِ – لايعلمون عنكِ شيئًا بالأساس، بل قاموا بالـ«زياط لزوم» المشاركة في التريند، ولإفراغ شحناتهم السلبية في سبابك، وعلى الرغم من كل المعاناة التي تعرضتِ لها أثناء حياتك والسباب والتشنيع، الذي وُجه إليكِ بعد مماتك قلتِ للعالم في رسالتك الأخيرة له قبل اعتزالك الحياة «كنت قاسيًا إلى حد عظيم، ولكني أسامح»، أنا الذي الآن أسألك يا سارة؛ سامحتي «هذا العالم على إيه ولا إيه ولا إيه؟!»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد