ما حدث في السودان يوم الخميس الماضي لم يعبر عن جموع الشعب التي خرجت من أجل الاطاحة بنظام عمر البشير والانتقال إلى سلطة مدنية ونظام جديد يؤطر مرحلة جديدة من الديمقراطية ويحترم مطالب الشعب.

ما حدث في رأي انقلاب على إرادة الشعب العظيم الذي هبّ منتفضًا على مدى أربعة شهور وطالب بتنحي البشير، فما الفرق بين البشير ووزير دفاعه عوض بن عوف، رغم أنه أعلن عن سقوط البشير والتحفظ عليه في مكان آمن؟

ما تعنيه الثورة هو الإتيان بنظام جديد وازاحة كل أركان النظام السابق، وما تعنيه الثورة هو إسقاط دستور النظام السابق لأنه بالتأكيد تم تمريره بضغط وتدخل من أجهزة النظام.

وما تعنيه الثورة هو تشكيل لجنة تضم كل أطياف الشعب السوداني لكتابة دستور جديد يتوافق عليه كل شرائح المجتمع يؤسس مرحلة جديدة لدولة عربية أصيلة تتمتع بموارد طبيعية كبيرة، كان من المفترض أن يكون وضعها الاقتصادي والمالي والسياسي في مصاف الدول المتقدمة، لكن الفساد على مدى عقود أضعف من مكانتها وإنتاجيتها وأدى إلى قلة دخل الفرد وتردي الأوضاع المعيشية.

في البيان الذي تلاه اليوم ابن عوف، قال: أعلن أنا وزير الدفاع اقتلاع ذلك النظام والتحفظ على رأسه في مكان آمن واعتقاله، وانتقد ما أسماه بعناد النظام، وإصراره خلال الأشهر الماضية على المعالجات الأمنية في مسألة الاحتجاجات الشعبية.

وأعلن ابن عوف عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي تحت رئاسته يتولى إدارة حكم البلاد لفترة انتقالية مدتها عامان، وأشار أن هذا المجلس سيقوم بتهيئة المناخ للانتقال السلمي للسلطة وبناء الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة بنهاية الفترة الانتقالية.

أي مجلس الذي سيظل في الحكم لمدة عامين؟ هل كان السودانيون يطيحون بالبشير مطالبين بحكومة مدنية كي يأتي ابن عوف ويعلن عن تشكيل مجلس عسكري؟ ما الفرق بين حكومة البشير والمجلس العسكري الجديد؟

وماذا فعل البشير خلال حكمه العسكري؟ ألم تنفصل جنوب السودان وأصبحت دولة مستقلة عن السودان؟ ماذا فعلت حكومة البشير في التضخم والبطالة والفساد؟

إذا وافق الشعب السوداني على تشكيل مجلس عسكري – وهذا من الصعوبة بمكان قبوله – فإن إطالة الفترة الانتقالية سيتمخض عنها أحداث وانشقاقات والتفاف على مطالب الثورة التي لم تتحقق بعد.

أيها السودانيون لا تبرحوا الميادين كما برحناها في مصر، وكما تركها الشعب التونسي، إزاحة البشير ليست هل المطلب في حد ذاته، فكل العسكر لا يؤمن مكرهم، تراهم ركعًا سجدًا في الصلوات وعند اتخاذ القرارات يتحولون إلى ثعالب وضباع ووحوش تلتهم كل ما حولها من أجل السلطة والكرسي.

ما فعله ابن عون هو تمامًا كما حدث في الجزائر وتونس ومصر وضاعت آمال وطموحات الثورات في تلك الدول.

ينبغي على الشعب السوداني أن يعي الدرس جيدًا ولا يثق في كلام ووعود العسكر، وأن يختار بنفسه حكومة مدنية تمثله وتنقل البلاد إلى رحاب أوسع مليئة بالأمل والخير والتقدم والازدهار.

في عام 2013 خرج الشعب السوداني ضد نظام البشير مطالبًا برحيله، لكن قوات البشير وقتها تعاملت مع المتظاهرين بقسوة غير معهودة؛ مما أدى إلى مقتل حوالي 200 من الشعب واعتقال الآلاف.

لكن هذه الأحداث ظلت باقية في ذاكرة الشعب عندما انتفض في التاسع عشر من ديسمبر (كانون الأول)  الماضي، التسلسل الزمني للمظاهرات في هذا الرابط، مطالبا برحيل النظام مرة أخرى حتى سقطت ورقة التوت يوم الخميس الموافق 11 أبريل ليصبح سادس رئيس عربي يتم الإطاحة به بعد حسنى مبارك، مصر، وزين العابدين بن على، تونس، وعبد العزيز بوتفليقة، الجزائر، وعلى عبد الله صالح، اليمن، ومعمر القذافي، ليبيا.

لو أن مسار الثورة في هذه الدول مضى كما أراده الشعب لما حدث في هذه الدول ما حدث الآن ولكانت ظروفها على كل المستويات أفضل بكثير مما هي عليه الآن، لكن الحركات المضادة والأموال التي أُنفقت لوأد هذه الثورات وقتل إرادة هذه الشعوب هي التي جعلتنا نجد كل ما هو قبيح ومنتن وفاسد الآن.

أيها السودانيون اثبتوا ورابطوا وحاكموا كل من تلوثت أيديهم بالدماء، هذه آخر فرصة اغتنموها قبل فوات الأوان، ربما تأتي رياح التغيير وتأسيس ديمقراطية عادلة من الجنوب على أيديكم بعدما أُفشلت أن تأتي من الشمال أو الشرق أو الغرب.

اقبضوا على ثورتكم بأيدٍ قوية غير مرتعشة، واهتفوا بأعلى حناجركم ولا تتركوها للانتهازيين من أي طرف، ولا تهتموا بالشعارات التي تحذر من التخوين والعمالة وإحداث الفوضى… إلخ.

ارفضوا قرارات ابن عوف، وافرضوا أنتم طلباتكم بكل قوة، المجلس العسكري لن يحقق ما تريدونه، سيتلوّن ويتحول ويتبدل في قراراته وسياساته، عامان – بل أقل من هذه المدة بكثير – كافيان للعودة إلى الوراء وكأن شيئا لم يكن.

نثق في وعيكم لكن الوعي ربما لا يكون كافيا أمام الآلة العسكرية التي تسطير على كل أرجاء الدولة، فالإصرار والعزيمة والتمسك بالمطالب بجانب وعيكم الكبير سيفضي إن شاء الله إلى كل خير، وسيتم إزاحة أركان النظام بأكمله.

أعتقد أنتم لا تريدون تجميل أو ترقيع وجه النظام، بل تسعون إلى محو صورته بأكملها، وهذا حقكم ولا ترضوْا بغيره، أنتم ما زلتم في منتصف الطريق فإما أن تمضوا قدمًا – ونتمنى لكم ذلك وندعو الله أن يسدد خطاكم – وإما، وهذا ما لا نتمناه، أن تعودوا إلى الوراء وتعانوا من سياسة التنكيل والتهميش واستمرار الفساد ونهب خيرات البلاد وغيرها.

حاول البشير توطيد علاقاته مع أنظمة عديدة في العالم منها ما هو ديكتاتوري ومجرم مثل بشار الأسد وروسيا، ومنها ما هو ديمقراطي مثل تركيا، لكن في النهاية كانت إرادة الشعب هي الفيصل والقول الفصل.

نريد كل الشعب السوداني أن يكون مثل آلاء صلاح التي أطلق عليها أيقونة الثورة عندما ألهب حماسها جموع السودانيين، حيث قال لوكالة فرانس برس بعد يومين من انتشار تسجيلات مصورة أظهرتها وهي تقف على سيارة تقود الحشود خارج مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم المرأة السودانية دومًا هي فاعلة في المجتمع السوداني وتهتم بقضاياه وتطالب بحق شعبها وحقوقها كامرأة.

تبلغ مساحة السودان حوالي 1.8 مليون كيلو متر مربع وعدد السكان حوالي 40 مليون، ومتوسط دخل الفرد الشهري حوالي 198 دولار. الدين الخارجي للسودان حسب ما نشر في عام 2018 وصل 52.5 مليار دولار، مزيد من التفاصيل على هذا الرابط.

فماذا كان سيفعل البشير أكثر مما فعله على مدى ثلاثة عقود في الحكم بعدما جاء بانقلاب عسكري على حكومة الصادق المهدي وقتها؟ ماذا كان يريد أن يفعله بعدما تفشى الفساد وتردي الخدمات وزيادة الديون… إلخ؟!

في النهاية السودان بلد عربي وأفريقي له مكانة كبيرة ولذا بالتأكيد ما يحدث على أرضه يهم دول كثيرة في العالم وخاصة دول الجوار.. فابن عوف ابن النظام وهو شريك بشكل أو بآخر معه في سياساته، فهل ستأمنون لمن كان يدًا يمنى أو يسرى للبشير؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات