مبتدأ

قد تتعارض الأفكار والتوجّهات، قد نختلف دينيًا وسياسيًا وتفرقنا الجماعات والأحزاب، إلّا أنه – وإن كان يحدث – ليس من الطبيعي أن نختلف إنسانيًا. ننظر حولنا فنجد أن الدم قد تفرّق بين الفصائلِ كما لو أن كفارالع قريش قد اتفقوا على قتل محمد بن عبد الله جماعة ليضيع دمه بين القبائل، فتُشتت عقولنا وتزداد الضبابية. لكن وإن كنا لا نستطيع إيجاد قاتل بعينه، فالمؤكد أن هناك قتلى، ودماء ضحايا لا منتمين، والمؤكد أيضًا أن حُكامنا المبجلين قد أمسكوا مع من أمسكوا بالسكين الذي ما زال يذبح وطنًا بأكمله، بل إنهم قد يكونون ممتلكيه.

السادة حكّام العرب

نعلم أن وقت سيادتكم ثمين للغاية، ولكن ألهذه الدرجة؟ ألم يصلكم ما يحدث في سوريا؟ بورما؟ العراق؟ ألم يصلك جلالة الملك أن بلاد العرب تُسحق وتدمر؟ أم أن انشغال سيادتكم بتغيير دعامات الكعبة من الفضة إلى الذهب قد حال بينكم وبين الاهتمام لمثل هذا؟ أم أنها صفقة جديدة مع نظيركم المصري بخصوص قطعة أُخرى من أرض مصر؟ أين أنت جلالة الملك! سيادة الرئيس! سمو الأمير! مما يحدث في حلب؟ ألدى حضرتكم فكرة عن أن جرحى حلب سينفد ما تبقى لهم من إسعافات بعد قصف مستودع الأدوية؟ أهو انشغال أم جبنٌ مطلق أم أنها وضاعة مبادئكم! أين تماسك أيديكم وسيركم في شوارع حلب؟ أم أن قتلى باريس كانوا نوعًا أرقى من البشر! لم لا نشعر بوجودكم حتى في خطبة زائفة أو اجتماع ساذج في جامعتكم الموقرة!
علّمونا أن ابن الخطاب فضّل إطعام المسلمين عن تغيير كسوة الكعبة، وأنه كان يُحمِّل نفسه ذنب كل «دابة» تعثرت لأنه لم يمهد لها الطريق، وأن عمر بن عبد العزيز أمر بنثر القمح حتى لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين. رضي الله عنهما، لم يعلما أن لسيادتكم آراءً أخرى!
أين أنتم منهما؟ ماذا تفعلون في مناصبكم تلك؟ كيف للطمع وانعدام النخوة أن يسيرا في مجرى دمائكم؟
قد يُنسيكمُ الكُرسي، لكن عليّ تَذكِرَتكم أن أموالكم التي هي بالأصل أموالنا ليست لاستبدال الذهب بالفضة، ولا للتفاوض على أراضيكم التي هي بالأصل أوطاننا، ولا لصفقات أسلحة ظاهرها لحمايتنا وواقعًا نحن أول من بها يُقتل. أموالكم لحياتنا، سلطتكم وأسلحتكم لحمايتنا. الآن أنتم العالة علينا لا نحن.
ليس لدي بجانب هذا الفيض من التساؤلات إلا أن أذكركم بشيء قد أنستكم إياه سلطتكم؛ لن يحاسب التاريخ حكام العروبة كلها، ولن ينزع الأظفار منهم في سبيل الاعتراف*، لكن الله سيفعل. تحسبونه بعيدًا وقد تحسبون أنه لن يحدث، لكنّ وعد الله حق. ستحاسبون على كل قطرة دم، وكل دمعة وصرخة من طفل ظن فيكم حماة لأوطانه، سترافقكم لعنات لا حصر لها على تقصيركم وإسرافكم في أمركم وأمرنا. وعلى كل وسيلة أغلقتموها في وجه كل من أراد النجاة لعروبتنا التي صارت -والفضل لكم – حملًا وعارًا بعد أن كانت شرفًا.

خِتامًا

من المفترض أن نحاول استيعاب اختلاف توجهاتنا. وحيث إنه لم يحدث، فعذرًا إن كان حلم العروبة الذي يطاردنا قد شكّل لكم إزعاجًا. عذرًا على تمسك المسلمين بحلم الخلاص والتمكين وإن بدا الأمر خياليًا بعض الشيء. ربما ما زال الوقت باكرًا، والأكيد أننا لسنا أهلًا لهذا الشرف أصلًا، إلا أنه ليس بالقلب حيلة تنتزع منه التصديق في ذلك.

*«سيحاكم حكام العروبة كلها، وسينزع الأظفار منكم في سبيل الاعتراف» – جزء من قصيدة لهشام الجخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد