وأنا أحاول أن أستجمع جزءًا من تلك التعابير والمصطلحات البسيطة في وصف الوطن ومعناه الحقيقي لغويًّا وفلسفيًّا، وحتى وجدانيًّا، اكتشفت فيما بعد أن كل محاولاتي باءت بالفشل، لا أدري لماذا كل هذا التحجر وهذا التسويف المبذر من لدنا؟ كل ما جئت به ربما يكون حديثًا عابرًا، أو ربما البعض قد اعتاد على قراءته في كتب التاريخ ومناهج الدراسة في التربية الوطنية، والقومية العربية، وجغرافيا المكان والتقسيم الإقليمي له، ليس هناك من جديد يذكر فقط أحاديث عابرة سطرتها حكايات الكتب، وهذيان الفلسفة المألوفة في عهد من العهود التي ولت في زمان كان.

الإرث والمكتبة العربية بمجلداتها ومؤلفاتها أعطت مفاهيم، وفي الوقت نفسه أعطت مفارقات كثيرة في فهم وقراءة الوطن من عدة زوايا، البعض أنصف، والبعض الآخر كان مجرد أن أعطى تفسيرًا عابر قد نكون تعلمناه من ممارساتنا المعتادة في فهم المشهد الحياتي وقراءته، وأيضًا من الصحافة والتلفزيون ومواقع التواصل والمحركات الإلكترونية المألوفة لا جديد في كل هذا إذن.

باختصار، وحتى لا نخرج عن مسار الموضوع؛ فالوطن بلسان العربية ومفرداتها وإرثها مجرد منزل مصغر يقيم الإنسان به، وهو محله وموطنه ومقامه الأول، بغض النظر عن تقسيم الخارطة الجغرافية للمكان والحدود والسيادة، كل هذا لا يعني شيئًا عند الحديث عن الوطن والهوية الجمعية له، فالمعنى الحقيقي للوطن يتعدى كثيرًا وصف ومسميات التقسيم التي جاء بها الاستعمار وفرضها كدستور على الأوطان، بدءًا من الترسيم الحدودي وانتهاء عند محاولة طمس الهوية والسيادة القومية عندنا نحن العرب، الذين كنا في مرحلة من المراحل السابقة عرضة للاستبداد والظلم من قبل دول الاحتلال آنذاك.

أحيانًا يكون الوطن أشمل من أن يكون مجرد هوية مُعرفة على جواز سفر نتخذ منه وسيلة عبور لحيث نحب أن نحل، بل الوطن بذاته تركيبة تتخطى الجماعات والمجتمعات والأقليات والشعوب المصغرة، إلى كيان وهوية وإيمان وقداسة وعقيدة أبدية في حبه وتمجيده في كل مكان وزمان، الوطن لا يقتصر على مسمى بعينه أو يكتفي بخارطة واضحة المعالم، بل هو أوسع من كل المصطلحات الضيقة التي تحاول وصفه، مجرد مستقر لملايين من الناس الذين اتخذوا منه مجمعًا ومسمى للنطق بهويتهم الشخصية بين العالم والشعوب.

كل الفلسفات والنظريات مجمعة أجحفت وهي تحاول أن تصيغ لفظًا مناسبًا لتعطي الوطن تعريفة بإنصاف بعيدًا عن إملاءات القوم والعابثين بالتاريخ الجامع والهوية القومية، كل تلك المحاولات طال عبثها ولم تفلح لأن تعمل تشويهًا بالذاكرة الجمعية لنا كشعوب عربية مثلًا محبه للوطن وسيادته، ولأننا نعرف مقام الوطن الحقيقي مهما كانت طبيعة الواقع فيه وتعقيداته.

قد يكون الاستعمار قد استطاع أن يذكرنا بإرثه الرث وتفاصيله باحترافية، وأن يروج لكل أفكاره الذابلة حين قرر أن يعطي الاستقلال والرحيل، وقد يكون توفق في أن يحدث شرخًا في الذاكرة الوطنية لنا نحن العرب من خلال عبثه المستمر الذي طال كل مسلمات الأوطان وقداستها، بدءًا من المكان والجغرافيا والدين واللغة حتى الوصول إلى هوية الشخص نفسه، أو بإيجاز المواطن الذي مكنه من حرية التفكير والفهم لمعنى الوطن بالمنظور الغربي المقيت.
الاستعمار أتاح للتاريخ أن يدون حسب ما يحب ويريد هو، وليس حسب ما هو شاهد وواقع جعل كل شيء فيه قابلًا للتعديل والاصطناع والتزوير، ما عدا شيئًا واحدًا ربما صُعب عليه العبث فيه ألا وهو «الانتماء الوطني» الذي هو «الارتباط الحقيقي، والاتصال المباشر مع أمرٍ مُعيّن تختلف طبيعته بناءً على الطريقة التي يتعامل فيها الفرد معه»، الانتماء الذي كان محل صد لكل الأطماع الغربية انتماء التمسك، والثقة بعنصر من عناصر البيئة المحيطة بالأفراد، والمحافظة على الارتباط به وجدانيًّا، وفكريًّا، ومعنويًّا، وواقعيًّا» مما يدلّ على قوة الصلة التي تربط بين الفرد، والشيء الذي ينتمي له، سواءً أكان انتماؤه لوطنهِ، أو عائلتهِ، أو عمله، أو غيرهم.

قبل الوطنية والانتماء والاستشعار به سبق ذلك ما هو أعظم وأقدس في النفس البشرية التي اعتادت أن تعطي للحياة وللواقع عدالتها بعيدًا عن كل أشكال الزيف والنكر والهتك، حُب الوطن والذي كان أمرًا فطريًّا له قداسته ومكانته العظيمة في النفس وفي الذات معًا، كما يقال: الوطن قُبلة معظمة في جبين الأرض والطبيعة والمكان والمساحة لا شيء يضاهى بحبه أو يحل مكانه، ونحن على يقين مطلق بأن كرامتنا نحن -الإنسانية جمعاء– محفوظة بعزته وسيادته بين الشعوب وبين المجتمعات المتعايشة في هذا الكون المترامي الأطراف.

البشر وعلى مدى تعايشهم في الوجودية عاشوا مراحل مرت بضيم وازدهار وبنكوص وتقدم، ومارسوا طقوسهم في شراء وبيع الذمم والجماعات والأحزاب والمنظمات، إلا الوطن صُعب عليهم أن يتبايعوا في كيفية الخلاص منه أو حتى المتاجرة به، حتى ولو كان في أردأ مراحل عصره ونهضته يظل محتمى وهوية مقدسة للكثير من الناس الذين يعتبرونه ملجئهم عندما تحل الشدائد والطفح والجوع والمجاعة والفقر والإفلاس.

لا أجمل على قلب الإنسان من أن يكون له وطن آمن ومستقر ومزدهر، بعيدًا عن الحروب والأزمات والانقسامات، وطن خال من كل أشكال المعاناة والمآسي، وطن تسود فيه العدالة والمساواة الاجتماعية الحقة والنظام والقانون والتقسيم العادل للثروة، والتوظيف حسب الاستحقاق والكفاءة.

بطبيعة الحياة وتراكمات مراحلها قد تسقط الأوطان بسقوط رواد التنمية والفكر الحر، هكذا طبيعتها لا يمكن للوطن أن يصير في أرقى ما يجب إلا بسواعد أناس بذلت جل جهدها للإعمار والتحسين نحو الأفضل، أناس نذرت الروح ووهبت الجسد نذرًا لبناء مجتمع وطني من العدم، مهما كانت درجة التعقيد وضبابية المشهد والواقع المحيط، لم تجعله عذرًا عائقًا لسير الهدف والطموح، بل الاستمرار ونبذ النكوص والارتهان والاتكالية، لم يكن شعار كل من يحاول أن يتصنع العذر لعرقلة المسير، ولكل ما هو مخطط له ويجب تنفيذه.

كما يقال «الوطن شجرة طيبة لا تنمو إلا في تربة التضحيات، وتسقى بالعرق والدم»، هكذا تبنى وتؤسس الأوطان بتضحيات الأبناء، وبعرق الفلاحين، وبدم الشهداء الذين جعلوا أنفسهم فداء وتضحية للأرض والدين والعرض والكرامة والعزة، التي هي أرفع مقدسات الإنسان التي لا يجب التفريط فيها مهما كانت الحاجة والمواقف الداعية للتنازل أو ما شابه ذلك.

الشرفاء هم من يخلدون الوطن في الذاكرة الأبدية في التاريخ والإرث والحضارة، والأنذال هم من يحاولون أن يتصنعون الشرف المزيف والتسول باسم الوطن ومواطنيه، وهذا هو الحاصل عند الكثير، وخاصة تلك الأوطان التي تعاني اليوم الحرب والمجاعة والأزمة بكل أشكالها، بعض أبنائها المولدين يحاولون تمزيق الوطنية وتجريد الصفة المثالية بفعل أعمالهم الدنيئة، التي لا ترتقي لأن تكون في مستوى هويتهم المرصودة في جواز سفرهم العابر لحيث يحبون أن تُحط بهم حماقتهم وخساسة الفكر والانتماء المهزوز الذي يحملونه.

هكذا نجد التقلبات في كل وطن، أناسًا تنصب ذاتها ناطقة باسمه، وهي مجرد أبواق أرهقها الدجل والكذب والحديث السافل الدنيء المجرد تمامًا من كل صفات المصداقية وشفافية التعاطي معه.

الأوطان بطبيعتها تنتج الصالحين والطالحين، والمكان وطبيعة الترعرع هو من يساهم في تشكيل الشخصية الفردية وبنًائها، سواء أكانت الشخصية المتزنة الحاملة للفكر المستنير أم الشخصية الهابطة التي تعودت على المكر والتماشي على أوجه مختلفة، لا ملامة هنا لنجعل الشمولية تلم أبناء الوطن الواحد في صورة واحدة، خطأ استخدام صيغة الجمع، ونحن ندرك أن هناك فرزًا واضحًا لكل شخصية على حدة، بعيدًا عن التعمد والشخصنة.

نعرف أن الوطن أكبر من أن يكون عبارة عن حدود، بل أكبر من حدود تتجاوز كل المسافات والمساحات والفضاءات الحرة، وفي نظري لا ينحصر الوطن في بضع كيلومترات محددة أو ختم عبور في أرشيف دفتر سيادي متعارف عليه لعبور الأوطان وتخطي حدود المكان المرسوم عليه بوثيقة مطولة، كل هذا مجرد رسميات تافهة زرعها الاستعمار، وجعلنا نطبقها بحذافيرها رغم أن هويتنا عربية وقومياتنا عربية، فإننا أصبحنا فيما بيننا والبين غُرباء منسيين في ذاكرة الزمن المتعفنة، كيف لا؟ وأنت عربي لا يحق لك أن تجول دولة ودولة إلا بإقامة دائمة وضمين، أي كفيل، مبتز يجرعك ويل العذاب والمعاملة.

أصبح الأجنبي في بلاد العرب يتمتع بأحقية واحترام يفوق أضعاف ما يلاقيه المواطن العربي؛ فأنت عربي ليس لك الحق أن تقيم في دولة عربية حتى تستخرج أوراق رسمية من أقرب سفارة لك، وغيرها من التعقيدات التي جعلت عائقًا كبيرًا لحلم العودة أو حتى مجرد أمنية للوحدة العربية التي أُرهقنا بأحاديثها ونحن في صفوف الدراسة الإعدادية كنا نرى المستقبل بتفاؤل ما دام هناك حلم أبدي سيحقق في القريب، غير مدركين بأنه أكذوبة التاريخ والدهر معًا ولعنة الأجيال لكل من تغنى بها، واعتد بفلسفتها الفاضحة.

أغبياء نحن عندما صدقنا تُرهات دروس الوطنية الساذجة التي أشغلت الذاكرة حينها بأهداف القومية، وبأنها ملجأ حقيقيًّا للانتصار على مخلفات ما أنتجه الاستعمار آنذاك، وأنها حلم عربي كبير يجب أن يصير، حتى كبرنا وصار للحلم أن يكون، اكتشفنا زيف المعلم الناطق والتاريخ القصصي الذي نسج لنا آنذاك خيالات وردية جعلتنا أكثر حبًّا وتقربًا من الانتماء الوطني والأقرب لحديث الفلسفة القومية التي سعى بها رواد الزمن الماضي، لكنها اختفت مجرد ما رحلوا عن الحياة.

حينها كنا ندرك جيدًا حب الوطن بكل تفاصيله، نحترم أنظمته ودستوره وقانونه، لم نكن نعمل بالتباهي المعلن بحبه لأن حبنا كان صادقًا وعفويًّا نحن البسطاء أبناء الفلاحين وأبناء المغتربين والمهجرين عن الوطن، عكس حب أصحاب السلطة والهرم المؤسسي الأكبر، الذي كان حبهم مبالغًا فيه، ومجرد وهم ينتهي بفعل السرقة الكبرى لخيراته وثروته.

محاولة الفهم الصحيح للوطن تعطي فرصة بقاء ونشوة أمل جديدة لفهم طبيعة الواقع فيه، بغض النظر عن معتقدات وأراء الفلاسفة والكتاب، هم فقط يحاولون الإسهاب بكثرة عن سرديات مطولة، لا فائدة منها، يجب أن نعي جيدًا أن نقرأ ونشكل الواقع الوطني كما نريد نحن الباحثون عن معنى آخر للوطن، وللمكان، وللهوية أيضًا، نحن نحب أن نبدأ برسم خارطة للوطن، كما نحب أن نكون عليه، وليس كما يحب الآخرون أن يرسموه لنا بلمساتهم وتفاصيلهم الأكثر مقتًا، أقصد العابثين بالتاريخ وبالجغرافيا.

إذن هكذا حاولنا أن ندردش عن حال الأوطان المنهكة بسردياتنا العفوية التي لا تحمل سوى اشتياق وحنين لحيث ذاك الوطن الذي لا يعرف مكانًا للحدود والأرض والسماء، وطن يتخطى أكذوبة الاستعمار وسذاجة الأنظمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد