من معالم الازورار عن وجهة الحب في الدعوة إلى الله تعالى ما نجده من خلطٍ واضحٍ لدى كثيرين ممن يعتلون منابر الدعوة بين منهج الدعوة إلى الله تعالى ومنهج الحرب والقتال.

ومن الأمثلة البارزة على هذا الخلط الفاحش: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يخاطب ملوك الروم والفرس وغيرهم فإنه يخاطبهم بما هم مشهورون به من الألقاب، وبما يصفهم به قومهم من صفات العظمة ويكتب إليهم: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، أو كسرى عظيم فارس…إلخ. ولا يجد في ذلك أي غضاضةٍ أو حرجٍ.

وفي مقابل ذلك نقرأ في كتب التاريخ أن هارون الرشيد خاطب ملك الروم بلهجةٍ لاذعةٍ قاسيةٍ، وكتب إليه: (من هارون الرشيد أمير المؤمنين الى كلب الروم).

وسبب هذا اللذع والقسوة في خطاب هارون الرشيد أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحبة الروم، واسمها (رينى)، فعادت الروم على (رينى) فخلعتها، وملكت عليها (نقفور)، فلما استتب لنقفور الأمر كتب إلى الرشيد:

(من نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب، أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي، أقامتك مقام الرخ(1)، وأقامت نفسها مقام البيدق(2)، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك).

فلما قرأ الرشيد الكتاب، استفزه الغضب، وحق له أن يغضب، فدعا بدواةٍ، وكتب على ظهر الكتاب:

(بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرات كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام). (1)

وبهذا نعلم أن ملك الروم أعلن الحرب على المسلمين بقوله (وإلا فالسيف بيني وبينك) فاقتضى الأمر أن يرد الرشيد على خطابه الحربي بخطابٍ حربيٍ أقوى وأشد.

بيد أن مما لفت نظري وجلب انتباهي أنني -ومعي جمهرة المصلين- سمعنا وما زلنا نسمع من كثير من الأئمة والخطباء والدعاة الاستشهاد على المنابر بموقف هارون الرشيد في خطابه اللاذع لقيصر الروم حيث خاطبه بكلب الروم، وهم في مقام الدعوة وليسوا في ميادين الجهاد والقتال، ويعلنون تأثرهم بهذا الخطاب اللاذع من الرشيد، لذا نراهم بين الفينة والأخرى يذكرون معجبيهم وجماهيرهم بخطاب هارون الرشيد، ويرفعون عقيرتهم به، بيد أنهم لم يتأثروا بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ليله كنهاره ولا يزيغ عنه إلا هالكٌ، ولم نسمع منهم يومًا أن أبدوا إعجابهم وتأثرهم بمنهج من هو أعظم من هارون الرشيد، بل أعظم من الناس أجمعين، أعني به موقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطابه إلى قيصر وكسرى حيث خاطبهم بخطابه المفعم بالأدب واللين والحكمة قائلا: إلى هرقل عظيم الروم، إلى كسرى عظيم فارس.

مع أن النبي صلى الله عليه وسلم معصومٌ، والرشيد غير معصومٍ، وليس قوله وفعله حجةً علينا.

ثم إن خطاب الرشيد القاسي اللاذع يمثل منهج الجهاد القتالي الذي يقتضي القسوة والشدة، بخلاف منهج خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يمثل منهجًا للدعوة إلى الله تعالى، ولم يكن منهجا قتاليا حربيا.

ولا مرية أن منهج الحرب والقتال يقوم على العنف والغلظة والقتال والقتل، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظةً واعلموا أن الله مع المتقين (سورة التوبة:123)

ومنهج الدعوة إلى الله تعالى لا يقوم إلا على أساس الرفق واللين، والحكمة والموعظة الحسنة.

فكما لا يمكن أن تواجه القوة والدبابات والطائرات الحربية والغواصات والصواريخ بالقلم أو بالكلام واللين، فكذلك لا يمكن أن تواجه الفكر بالقوة والعنف، فالقوة تواجه بالقوة، والقلم يواجه بالقلم، والفكر بالفكر.

وكما يضر القائد العسكري العطوف اللين في المعركة، فكذلك الداعية الغليظ القاسي الشديد، بل قد تكون مضرة دعوة هذا الغليظ أشد وأضر.

وقديما قال المتنبي –وقد أصاب وأجاد-:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى

فعلى هذا ينبغي أن تكون كل هاته المواجهات في طريق الدعوة إلى الله تعالى -فيما سوى حالة الحرب والقتال- باللين والرفق والحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (سورة النحل:125)) وقال عز من قائل: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) (سورة الإسراء:53) وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) (سورة العنكبوت:46).

وقد بين القرآن الكريم أن سر نجاح دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ينجلي في كونه هينًا غير صعبٍ، لينًا غير فظٍ، رفيقًا غير عنيف ولا قاسٍ، (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (سورة آل عمران:159)

واستدلالًا بقوله تعالى (وقولوا للناس حسنًا) (سورة البقرة:83) قال القرطبي في تفسيره: (وهذا كله حضٌ على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قول للناس لينًا ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنةٍ، ومن غير أن يتكلم معه بكلامٍ يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: «فقولا له قولًا لينًا». فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.

وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاءٍ إنك رجلٌ يجتمع عندك ناسٌ ذوو أهواءٍ مختلفةٍ، وأنا رجلٌ في حدةٌ فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: «وقولوا للناس حسنًا». فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي) (2).

وحين دخل رجل على أحد الخلفاء وأغلظ له القول، قال له الخليفة: يا هذا، إن الله أرسل موسى وهارون وهما خير منك، إلى فرعون، وهو شر مني، وقال: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى* فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى). (سورة طه: 43-44)

وأخيرًا: وإذا خطر ببالك سؤالٌ عن سر هاته الأوامر الإلهية بالرفق واللين حتى مع المخالفين في الدين والمنهج، فإن الجواب ينجلي لك بمجرد أن تفكر في حال ذلكم المريض الراقد الذي تـهفو نفسه إلى شيءٍ من الحنان واللطف والرحمة والشفقة التي يـبديها طبيبه المعالـج، ومعلومٌ أن المرض كلما اشتد كان صاحبه بحاجةٍ أكثر إلى حنان الطبيب وشفقته، إذ ليس من برأسه صداعٌ كمن هدت الخلايا السرطانية جسده الـمـنهك وبدأت تـنخر كيانه.

فإذا كان حال مرضى الأبدان هكذا، فكيف بمرضى القلوب الذين تغلغلت خلايا الكفر والإلحاد والعصيان داخل قلوبهم وخرقت شغافها!!، لا إخال السؤال بحاجةٍ إلى جواب.

فيا أتباع أرأف الخلق بالخلق، أنتم الأطباء فرفقًا بالمرضى من العصاة والمذنبين، عضوا عليه بالنواجذ فإنه ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الهوامش:

(1) الرخ : قطعةٌ من قطع الشطرنج وهي القلعة (الطابية)

(2) الجندي من المشاة، ومنه بيدق الشطرنج

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) (صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، المتوفى: 369هـ) دار التراث – بيروت-الطبعة: الثانية – 1387 هـ:8/308.
2- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)، تحقيق : أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر : دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة : الثانية ، 1384هـ – 1964 م:2/16.
عرض التعليقات
تحميل المزيد