المشهد الأخير

«كم مرة ضلت الكنيسة الطريق وخاب رجاء المسيح فيها، كم مرة هجرته لتطلب رحمة الملوك بذل العبيد، فكان بقدر ما تستمد الكنيسة القوة من الملوك، بقدر ما كانت تفقد قوتها الروحية، وكأنما الكنيسة لم تعترف بعد أن ما لقيصر يلزم أن يبقى لقيصر، وما لله يلزم أن يبقى لله» من كتاب «مقالات بين السياسة والدين» للأب «متى المسكين». 

موقف الكنيسة الأخير أكد بما لا يدعو مجالًا للشك، أن الكنيسة القبطية قد نقلت «الذمية» نقلة تاريخية ، ووسعت من مفهومها وتطبيقها إلى أقصى حد ممكن، وبرهنت على أن القبطي سيظل عبدًا وذميًا، حتى ولو ترك وطنه وتنسم الحرية في بلاد الحرية، فسيلاحقه هؤلاء المنافقون؛ ليكبلوه بسلطتهم الروحية ويسلموه للنخاس مره أخرى، فبالتزامن مع زيارة السيسي المرتقبة لأمريكا لإلقاء كلمة مصر في الأمم المتحدة، دعا البابا «تواضروس» للصلاة من أجل الرئيس قائلًا «نصلي لنجاح زيارة الرئيس السيسي لأمريكا لحضور اجتماعات الجمعيةالعامة للأمم المتحدة»، و«كرامة مصر ممثلة في استقبال رئيس مصر بكل ما يليق»، أملًا في تصوير الرجل، وكأنه يتمتع بشعبية حقيقية في الشارع المصري.
ووجه المقر البابوي في أمريكا، و«إيبارشية» نيويورك ونيوإنجلاند، نداء مشتركًا للمسيحيين المصريين في الولايات المتحدة للترحيب بالسيسي ودعمه، وجاء في البيان أن «قداسة البابا تواضروس مهتم اهتمامًا كبيرًا بنجاح هذه الزيارة، وقد قام بانتداب نيافة الأنبا يؤانس أسقف أسيوط ونيافة الأنبا بيمن أسقف نقادة وقوص للإعداد لهذه الزيارة الهامة»، وأضاف البيان أن تواضروس «أرسل رسالة يحثنا فيها على عمل كل شيء ممكن لإنجاح هذه الزيارة»، ودعا البيان الآباءالكهنة إلى «التنبيه على هذا الحادث بتدقيق شديد، وتشجيع الشعب على التواجد أمام مبنى الأمم المتحدة من الساعة التاسعة صباح يوم الثلاثاء 20 سبتمبر» (أيلول)، مشيرًا إلى أن الكنائس المصرية ستقوم «بترتيب وسيلة الانتقال ذهابًا وإيابًا» للمشاركين في دعم «السيسي».
وأكد الأنبا «سرابيون» أسقف لوس انجلوس أن كنائس أمريكا بالتعاون مع بعض منظمات الأقباط سيوفرون 50 أتوبيسًا أمام الكنائس والميادين الشهيرة، لنقل المصريين لمقر جمعية الأمم المتحدة في نيويورك، للهتاف لحظة دخول الرئيس السيسي إلى مقر الأمم المتحدة، حرفيًا كما فعل الإخوان مع «مرسي» منذ أربعة سنوات تحديدًا، وأكد الأنبا سرابيون «أن الأقباط يحبون الرئيس بصدق، ولا يحتاجون إلى من يدعوهم لإظهار مشاعر الحب والاصطفاف خلف قيادة الدولة المصرية».
و دعى القس «مكاريوس ساويرس» كاهن كنيسة مار جرجس، والأنبا «شنودة» بنيوجيرسي بأمريكا، المسيحيين للخروج واستقبال السيسي، مهددًا إياهم بما سيلاقيه الأقباط في مصر إن عارضوا النظام قائلًا «فلنخرج جميعًا لاستقبال رئيس مصر السيد عبد الفتاح السيسي يوم إلقاء كلمته بالأمم المتحدة، فليسمعنى الحرية أننا ننعم ونتمتع بحريتنا، ونترك إخوتنا فى بلدنا يعانون ويقاسون نتيجة أعمال وأقول غبية ونظن أننا أحرار، الحرية الحقيقية أن تتصرف بكامل حريتك، بشرط أن حريتك لا تؤذي آخر غيرك لا باللفظ، ولا بالفعل، وهناك ملاحظة في غاية الخطورة، وهي أن أي فعل خطأ من أي قبطي مقيم ومتنعم بالحرية في أمريكا، مثال كتابة مقال به شتائم لمصر، أو تطاول على حكومة مصر، أو محاولة التقليل من دور وعمل رئيس الدولة السيد عبد الفتاح السيسي، فلا يصح أنك تتكلم وتتظاهر أنك حر وفي مجتمع حر كأمريكا، وتتغاضى عن إخوتك المقهورين فى مصر، فنحن نعلم حجم ومقدارالسلبيات التي يُعانى منها الشعب المصري عمومًا والأقباط خصوصًا، ولكن يجب أن نكون منصفين و«حقانيين» ونشهد للحق بالحق أن الأوضاع عمومًا في مصر تتحسن، وأوضاع الأقباط في مصر إلى الأفضل، أعلم يا عزيزي أن الـReaction (رد الفعل) كله سيكون على إخوتك المقيمين في مصر، وهذا ما لا يرضاه ضميرنا ولا ديننا ولا مبادئنا فيجب أن ننتبه جيدًا لما نقوله، ولما نفعله،
وقبل أيام كانت الكنيسة القبطية قد أرسلت الأنبا «بيمن» أسقف نقادة، والأنبا «يؤانس» أسقف أسيوط لحشد أقباط المهجر في نيويورك ونيوجيرسي وكندا كمقاولي الأنفار، استعدادًا لشحنهم في أتوبيسات لاستقبال السيسي في نيويورك بالهتاف، في مشهد تاريخي فاصل في علاقة الكنيسة بشعبها، وفي كلمته بكنيسة مارجرجس والأنبا شنودة بجيرسي سيتي، في لقاء عقد مساء الأربعاء 14 سبتمبر (أيلول) 2016، ألقى الأنبا بيمن باللوم على الأقباط أنفسهم بسبب الضجة التي أثاروها على قانون بناء الكنائس، وعلى طريقة جلد الذات أكد بيمن أن 60% من مشاكل أقباط الصعيد والاعتداءات عليهم وحرق كنائسهم ومنازلهم وتعرية نسائهم وتهجيرهم من قراهم، هم أنفسهم السبب في ذلك؛ نتيجة سوء سلوكهم وعدم حكمتهم، وكلامهم بالعمل و«خبصهم» على بعض، وعلاقاتهم العاطفية مع النساء غير المسيحيات، واستمر الأسقف لما يقرب من ساعة كاملة بلا ملل، ولا كلل، في محاولة تجميل وجه السيسي والنظام، والتقليل من مساوئه، و لوم المسيحيين أنفسهم على ما يلاقونه من متاعب في أرض الوطن، وعندما أستنكر أحد الحضور إقحام رجال الدين والكنيسة بأنفسهم في السياسة، أجاب بيمن أن ما يفعله ليس تدخل في السياسة، وإنما «وطنية وغيرة على بلده!»، استنكر بيمن أنه لم يجد أيًا من أبناء الكنيسة من يمكن أن يتبنى مسألة دعم السيسي في زيارته لأمريكا بدلًا عنه، وإنما وجد هجومًا ومعارضة شديدة و«كلام زي السم»، موجهه للكنيسة وللدولة على حد قوله، ولذا وجب عليه التدخل لتصحيح الوضع، ثم انتفض الأنبا يؤانس من موضعه، وبطريقة مسرحية وجه حديثه للكهنة الحضور قائلًا «أنتم مسئولون مسئولية شديدة من أجل أهلكم في مصر»، واستشهد بآيات الإنجيل لإرهاب المسيحيين، وحثهم على المشاركة، قائلًا «من يعرف أنْ يعمل حسنًا، ولا يعمل، فذلك خطيّةٌ له».
وفي اللقاء الأسبوعي لنيافة الأنبا «ديفيد» في اليوم التالي 15 سبتمبر (أيلول)، قال الأنبا يؤانس «متنسوش أيام الإخوان، واحنا بنعيش أحسن أيامنا..الأيام ديه أحسن أيام..مش بجامل، فـ ليه إحنا جايين، وليه بنستقبل الريس؟ احنا ليه، البابا تواضروس باعتنا؟ علشان نحفز الأقباط إنهم يطلعوا يستقبلوا الريس استقبالًا حسنًا، ليه؟ عشان فيه مجموعة تانية منظمة هاتطلع تهاجم سيادة الريس، وتتطاول على سيادة الريس، فعشان كده يا جماعة يا أقباط ياللي كتار في نيويورك ونيوجيرسي، نطلع نقول الحق بس! نحن لا نقبل أن نقول إلا الحق!»، وأردف يؤانس قائلًا «فيه علينا مؤامرة بالنسبة للدولار، وأزمة الدولار، وأحداث المنيا خلت شعبية الرئيس السيسي عند الأقباط تقل»، وعلل يؤانس دعم الكنيسة لزيارة السيسي تلك المرة تحديدًا بقوله «دلوقتي فيه مشاكل اقتصادية، ماهي مؤامرة عليه وعلينا، وفيه شوية مشاكل في المنيا، واحنا حاسين إن المشاكل الاقتصادية هزت السيسي في قلوب الأقباط، والراجل ملهوش ذنب، فيه مؤامرة عليه»، ثم أردف قائلًا «ده فيه كنيستين في القاهرة.. بالتليفون بس.. ولا ليها ورق.. كل ده هايتقنن.. يساوي إيه ديه؟ وكله خد وهات، والدنيا سلف ودين، واللي فيكوا يهمه أهله في مصر يروح يستقبله»، وأكد «طالما سيدنا باعت حد.. يبقى نعلي راسه، ولابد أن يعلم الجميع أن الأقباط هنا قوة، وإذا خرج عدد صغير منا سنظهر كضعفاء».

ولم ينس يؤانس أن يحشر نفسه لتحية الرئيس، واستقباله لدى وصوله لمطار نيويورك مع باقي المستقبلين، والذين اتضح لاحقًا أنهم مرافقو السيسي القادمون معه من مصر على نفس الطائرة الرئاسية ، حتى لا يتكرر مشهد استقباله المهين في العاصمة الرواندية كيجالي؛ حيث لم يستقبله سوى السفير الرواندي في مصر،
وفي المقابل لم ينس السيسي أن يصطحب معه مذيعة التليفزيون المصري «رشا مجدي» تحديدًا، والتي حرضت ضد الأقباط في ماسبيرو، ربما لقياس مدى تحمل الأقباط للخضوع والمهانة والذل، وبجانبها كان الأنبا يؤنس يقف بنفسه ليقود «الانفار» وجوقة «الهتيفة» امام مقر السيسي في نيويورك حرصًاعلى جودة الاستعراض، وفي نهاية الامر لم يحتشد لتحية السيسي سوى العشرات، مخرجين ألسنتهم للسيسي وللبابا وللآباء الأساقفة يؤانس وبيمن، بينما حرصت كاميرات الفضائيات المصرية على تصوير المحتشدين من زاويا ضيقة حتى يبدو عددهم أكبر من الحقيقي. 

خاتمة

أثبت أقباط مصر بالدليل القاطع أنهم أكبر عقبة في طريق المساواة، وإقرار دولة القانون، ولولا الأقباط أنفسهم وبطاركتهم العظام، بداية من البابا «بنيامين» الأول الذي استقبل الغازي العربي أحسن استقبال، لأن «عمرو أكرم بطريركهم كل الإكرام و أحاطه بالإجلال والاعتبار، وطلب إليه نصائحه وبركته، وأمر بإعفاء رجال الدين من الجزية» بحسب ما كتب «د.جاك تاجر»، مرورًا بالبابا «يوساب الأول» الذي سلم لأقباط البشموريين للخليفة المأمون؛ ليحملهم أسرى إلى دمشق؛ ليباعوا في سوق النخاسة، بعد أن «قلده الخليفة منصب الرئيس الروحي لجميع كنائس مصر، وأعطاه سلطات على كل الكنائس القبطية، وعلى كل من يعملون بها»، انتهاء بالأنبا شنودة والأنبا «تواضروس» وتاريخهم في محاباة الحكام، لربما كانت المساواة الكاملة قد تحققت منذ عقود مضت، فبعد ألف وأربعمائة عام من الغزو العربي لمصر، لا يزال الأقباط يعاونون من الاضطهاد والعنف والتمييز، بينما استطاع سود أمريكا، والذين كانت أحوالهم أسوأ نحو ألف مرة من الأقباط ، وبعد نحو ستة وأربعين عامًا فقط من حلم «مارتن لوثر كنج» أن يصل رئيس أسود من جذور كينية مسلمة إلى مقعد الرئاسة.

وبعد عقود من موالاة الكنيسة للدولة، صار أقباط مصر أتعس أقلية قاطبة على مستوى العالم، وأتعس فئة قاطبة على مستوى الشعب المصري، مجرد أقلية دينية هشة للغاية في مجتمع طائفي مريض لأبعد الحدود، ليس لهم أي ظهير محلي يحميهم ويوفر لهم الأمان، فالجيش والدولة ومؤسساتها طائفيون بشكل هيكلي، وحتى النخاع، والعلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة منفعة متبادلة بحتة، ولا يوجد قبطي واحد في أي منصب حساس أو شبه حساس، ولا يُسمح للأقباط بتولي حقائب وزارية سيادية، فقط بعض الوزارات الهامشية وعلى رأسها وزارة البيئة التي يحتكرها الأقباط منذ أمد، الجميع يستغلهم بلا رحمة، الكنيسة والدولة على حد سواء، لهم دور ومساحة محددة لا يُسمح لهم بتجاوزها ضمن إطار الإخضاع والسيطرة من قبل الطرفين المُستَغِلّين
صاروا مكروهين من الجميع بلا استثناء، من الإسلاميين الطائفيين الذين يجدون في الأقباط متنفسًا دائمًا ومستباحًا لإفراغ طاقات العنف والغضب والقهر من قبل الدولة، ولإفراغ شحنات العنف الديني والخطاب المتشدد، وزادهم البابا تواضروس حنقًا فوق حنقهم بدعمه الدائم والمستمر للسيسي ونظامه، يزيد الأمر سوء يقين الإسلاميين أنه لن يحاسب أيًا منهم في تلك الاعتداءات، وسيمر الاعتداء التالي، والذي يليه وحتى ألف اعتداءً قادمًا بجلسة صلح عرفي، يتبادل فيها الطرفان تقبيل اللحى، ويتساوى الجاني مع المجني عليه.
وصاروا ممقوتين من المجتمع المدني الذي دأب على الدفاع عن قضيتهم، ثم تملكه اليأس بعد دفاع الأقباط أنفسهم عن ذميتهم وعن جلاديهم، ودفاعهم المستميت عن النظام الذي يضطهدهم، وحتى المجتمع الدولي تخلى بدوره عن القضية القبطية عندما بات الأقباط من أشرس المُضطَهِدين للفئات والأقليات الأضعف في مصر، وحتى أمريكا التي كانت فيما مضى ظهيرًا دوليًا قوي للأقباط؛ نتيجة نشاط «لوبي» أقباط المهجر والمجتمع المدني، تخلت عن ذلك الدور ورفعت أيديها عن الأمر برمته، واتخذت الكنيسة القبطية خيارات سياسية استقطابية خطيرة لدرجة الانتحار، وراهنت بكل ما تملك على السيسي والجيش، والذي سيخذلهم في القريب العاجل كما هو متوقع .
وأثبت الأقباط بالتجربة أن أحدًا لم يظلمهم بقدر ما ظلموا أنفسهم بأنفسهم، وما آلت إليه أحوالهم اليوم هو الجزاء العادل والطبيعي والمتوقع لأدائهم، فالأقباط لم ولا ولن يطالبوا بالمواطنة الكاملة أبدًا، وتركيبتهم النفسية والعقلية لا تسمح لهم بالتخلي عن فكرة كونهم مُضطَهَدين، ولا يستطيعون أن يكونوا سوى ذميين ومُستَعبَدين ومُضطَهَدين للأبد.

 

“العبيد السُعَداء هُم ألدّ أعداء الحريّة”

ماري فون إبنرإيشينباخ – كاتبة نمساوية

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد